طريق أبوحمد – عطبرة.. حين تتحول الطرق القومية إلى شواهد على الإهمال وسوء الإدارة

محمد سراج محمد

ليس من المبالغة القول إن ما يحدث للطريق القومي الرابط بين أبوحمد، مدينة الذهب، وعطبرة، سوق الذهب الأول، لم يعد مجرد إهمال عابر أو تقصير فني يمكن تبريره بنقص الإمكانات، بل أصبح عنواناً صارخاً للفشل الإداري والاستخفاف بحقوق المواطنين، وعلامة استفهام كبيرة حول أولويات حكومة الولاية والجهات المسؤولة عن صيانة الطرق.

هذا الطريق ليس مجرد شريط أسفلت يربط مدينتين؛ إنه شريان اقتصادي يربط مناطق الإنتاج والتعدين والتجارة، ويصل واحدة من أهم مناطق الذهب بأسواقها ومراكزها التجارية، ويسهم في حركة البضائع والأشخاص والتبادل الاقتصادي مع بقية مدن السودان. فكيف يُترك شريان بهذه الأهمية لينزف تحت عجلات المركبات، وتتآكل بنيته، وتتحول حفره إلى كمائن يومية للمسافرين؟

أبوحمد التي ترفد الاقتصاد بالذهب والثروات، لا تطلب من أحد صدقة، ولا تنتظر من المسؤولين منّة أو معروفاً. إنها تطالب بحق أصيل في بنية تحتية تليق بما تقدمه من موارد. فمن غير المقبول أن تكون المدينة حاضرة بقوة عندما يتعلق الأمر بالإنتاج والإيرادات، وغائبة تماماً عندما يحين موعد التنمية والخدمات. تُحصَّل خيراتها بانتظام، أما حقوقها فتُرحَّل إلى أجل غير مسمى!

والأكثر إثارة للريبة أن استمرار هذا الإهمال يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان عزل أبوحمد عن محيطها التجاري والاقتصادي مجرد نتيجة للتقصير، أم أن هناك سياسة إهمال ممنهجة، مقصودة أو غير مقصودة، تجعل المواطن يدفع فاتورة غياب التخطيط والمحاسبة. فمن المستفيد من تعطيل هذا الشريان؟ ومن المسؤول عن تحويل معاناة الناس إلى أمر واقع؟

وعندما بدأت أصوات المواطنين ترتفع، واشتد الضغط، تحركت الولاية أخيراً. لكن يا ليتها لم تتحرك بهذه الصورة! فقد كان المنتظر تدخلاً جاداً يعيد للطريق عافيته، ويضع حداً لمعاناة المسافرين، فإذا بالمشهد يبدو وكأن المطلوب إسكات الأصوات لا إصلاح الطريق! ترميم للحفر هنا، وردم هناك، وتلتيق عشوائي لا يستند إلى معالجة فنية سليمة، وكأن الطريق ثوب ممزق يجري ترقيعه بقطع قماش لا تنتمي إليه.

أي عبث هذا؟ وأي استخفاف بعقول المواطنين؟ هل صيانة الطرق القومية أصبحت عملية تجميلية لالتقاط الصور وإصدار البيانات، أم أنها مسؤولية فنية تتطلب مواصفات وجودة وضماناً ومحاسبة؟ إن ردم الحفر بصورة عشوائية لا يمثل صيانة، بل تأجيلاً للمشكلة وإعادة إنتاج لها، وربما مضاعفة مخاطرها. والطريق الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل لا تنقذه حفنة من الردميات ولا حملة ترقيع مؤقتة.

وهنا نضع الجهات المختصة أمام كشف حساب واضح: أين الخطة؟ أين الميزانية المخصصة؟ أين المواصفات الفنية؟ من نفذ هذه الأعمال؟ ومن استلمها؟ وهل توجد جهة رقابية تتابع جودة التنفيذ وتتحمل مسؤولية أي خلل؟

إن أهالي أبوحمد لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون بطريق آمن وسليم يربط مدينتهم بعطبرة وبقية السودان، ويضمن استمرار الحركة الاقتصادية والتجارية دون ابتزاز يومي بالحفر والمطبات والمخاطر.

وليتذكر كل من يتهاون في حقوق الناس أن المناصب زائلة، والكراسي لا تحمي أحداً من الحساب. قال تعالى: «ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار».

فلا تجعلوا من طريق الذهب طريقاً للمعاناة، ولا تحولوا حقوق المواطنين إلى حفر تُردم بالتراب وملفات تُدفن في الأدراج. فأبوحمد تستحق طريقاً يليق بثروتها وأهلها، لا ترقيعاً يليق بعقلية الهروب من المسؤولية!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.