فتح حزب الأمة القومي ملف الإصلاح الداخلي ومستقبل مؤسساته، خلال ملتقى تفاكري انعقد بمدينة نيالا، بمشاركة عدد من قيادات الحزب وكوادره وممثليه في الولايات الواقعة ضمن مناطق سيطرة حكومة السلام. وناقش الملتقى أسباب تراجع الأداء التنظيمي خلال السنوات الماضية، وسبل استعادة الفاعلية وتعزيز المشاركة الديمقراطية.
وتناول الملتقى، الذي انعقد تحت عنوان «البناء التنظيمي ومستقبل المؤسسات»، التحديات التي فرضتها الحرب والانقسامات السياسية على العمل الحزبي، ودعا المشاركون إلى تحويل المداولات إلى برنامج عملي يمهّد لعقد مؤتمر حزبي جامع.
مراجعة ورقة 2019
واستعادت المناقشات ورقة تنظيمية أعدها القيادي مدثر حسن والي في سبتمبر 2019، بعنوان «البناء الحزبي ومفاهيم العمل التنظيمي»، تناولت أسس العمل الجماعي والانضباط والقيادة وتأهيل الكوادر، وأهمية الالتزام بالدستور واللوائح، إلى جانب المسؤوليات المالية للعضوية ومخاطر خضوع القرار الحزبي لنفوذ الممولين.
وقدم القيادي عروة الصادق تعقيباً استراتيجياً على الورقة، في ضوء التحولات التي شهدها الحزب خلال الفترة بين عامي 2019 و2026، متناولاً العلاقة بين الانضباط التنظيمي والديمقراطية الداخلية، وإشكالات الشرعية والتفويض وتداول القيادة، وتأثير الانقسامات على فاعلية المؤسسات.
وخلص التعقيب إلى أن الورقة، رغم أهميتها، تحتاج إلى تطوير يستوعب تعقيدات المرحلة الراهنة، لا سيما ما يتعلق بحقوق العضوية، وآليات مساءلة القيادة، وإدارة الاختلاف، والتنازع حول الاختصاصات.
وأكد التعقيب أهمية التمييز بين الاختلاف الفكري والسياسي المشروع والممارسات التي تؤدي إلى تعطيل المؤسسات أو إنشاء مراكز قرار موازية، مع توفير ضمانات واضحة للمشاركة والنقد والمراجعة والمحاسبة، وصون الإرث الفكري والمؤسسي للإمام الراحل الصادق المهدي وتطويره في صورة قواعد وأنظمة تضمن استمرارية الحزب وتجديد قياداته.
التمويل واستقلال القرار
وحظيت قضية التمويل الحزبي باهتمام الورقة والتعقيب، باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في استقلال المؤسسات وقدرتها على اتخاذ قراراتها.
وحذرت الورقة الأصلية من أن ضعف الموارد الذاتية قد يجعل الحزب عرضة لتأثير الممولين، فيما وسّع التعقيب نطاق النقاش ليشمل الشفافية المالية، والرقابة على الموارد، وتضارب المصالح، وضرورة الفصل بين موارد التنظيم وأي مصادر تمويل مرتبطة بتحالفات أو سلطات خارج مؤسساته.
كما تطرقت المناقشات إلى تطوير نظم العضوية والتمثيل، وتعزيز العلاقة بين المركز والولايات، وإعادة تأهيل القيادات الوسطى، وتوسيع فرص المشاركة أمام الشباب والنساء، بما يستجيب للتحولات التي طرأت على المجتمع السوداني نتيجة الحرب والنزوح واللجوء.
مؤتمر جامع الشهر المقبل
وفي سياق متصل، كشف مساعد رئيس حزب الأمة القومي، الدكتور خالد أصيل، عن توجه لعقد مؤتمر نوعي جامع خلال الشهر المقبل، يستهدف إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية، ومراجعة الاختلالات التنظيمية، وتوحيد الصفوف.
وأرجع أصيل جانباً من تراجع الأداء الحزبي إلى المشكلات والخلافات التي واجهت التنظيم خلال الفترة الماضية، إلى جانب ما وصفه بمؤامرات استهدفت الحزب، داعياً إلى معالجة أسباب الضعف عبر برنامج متكامل يعيد الفاعلية إلى المؤسسات.
وأشار إلى أن دستور الحزب يتيح للولايات عقد مؤتمراتها إلى حين انعقاد المؤتمر العام، مؤكداً أهمية توسيع المشاركة وإتاحة الفرصة للكوادر والقيادات للإسهام في عملية إعادة البناء.
دعوات إلى برنامج عمل
من جانبه، دعا القيادي موسى جبر إلى تحويل أوراق الملتقى ومداخلاته إلى برنامج عمل واضح، يشكل أساساً للمداولات والتحضيرات الخاصة بالمؤتمر الجامع.
وأشاد جبر بالأفكار التي قدمها عروة الصادق والصادق ضو البيت، معتبراً أنها تعكس أهمية التواصل بين الأجيال الحزبية والاستفادة من تراكم الخبرات في تطوير العمل التنظيمي.
وشدد على ضرورة إعطاء قضايا الشباب والمرأة أولوية أكبر، وتوسيع مشاركة النساء في مؤسسات الحزب، وتنظيم ملتقيات متخصصة للطلاب والشباب والقطاعات المختلفة، بما يسهم في تأهيل كوادر قادرة على تحمل المسؤوليات المقبلة.
وثمّن الجهود التنظيمية الجارية في ولايتي جنوب وشرق دارفور، داعياً القيادات والكوادر إلى تجاوز الخلافات السابقة، وإعادة ترتيب المؤسسات، والاستعداد للتحولات السياسية والتنظيمية.
بدوره، أكد سكرتير الحزب بولاية جنوب دارفور، حافظ أحمد عمر، أهمية استمرار الملتقيات الفكرية والتنظيمية، مشيراً إلى أن التحديات التي تواجه الحزب تتطلب مراجعات متواصلة وتطويراً لآليات الإدارة والتواصل والتأهيل.
ويأتي ملتقى نيالا في وقت يواجه فيه حزب الأمة القومي تحديات سياسية وتنظيمية متشابكة، تتصل بالخلافات القيادية وتباين المواقف من الحرب والتحالفات، إلى جانب الصعوبات التي فرضتها الأوضاع الأمنية والإنسانية على استمرار النشاط الحزبي في عدد من الولايات.
وتكتسب المناقشات أهميتها من انتقالها إلى قضايا تتجاوز الجوانب الإدارية، لتشمل مصادر الشرعية داخل الحزب، وحدود التفويض، واستقلال المؤسسات، وآليات الرقابة والمساءلة، وكيفية المحافظة على وحدة التنظيم مع ضمان حق العضوية في المشاركة والاختلاف.
ويرى مشاركون أن المؤتمر المرتقب يمثل محطة مهمة لاختبار قدرة الحزب على تحويل المبادرات المطروحة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، وتحديد أولويات الإصلاح والمسؤوليات والآجال الزمنية اللازمة لإنجازها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.