الفاشر.. لقطة حقيقية واحدة هزمت كل تقنيات الـDeepfake !

 منعم سليمان

لا توجد سلطة في هذا العالم، ولو كانت سلطة في جمهورية موز قصيّة عن ركب التحضر، تُصدر بيانًا بمقاطعة وسيلة إعلامية .. إلا سلطة “الزلابية” التي شيّدها الفريق عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، على شفا جرفٍ هارٍ!

فمقاطعة الإعلام بالبيانات والهتافات عادة كيزانية إخوانية أصيلة، ورثها البرهان بوصفه الوارث الشرعي لعمر البشير والراعي الرسمي للجهل النشط في البلاد.

والمفارقة أن حتى حكومة نيالا التي تحارب الكيزان، سلك إعلامها – وهو نقطة ضعفها وكعب أخيلها – النهج نفسه، فأصدر قبل أسبوع قرارًا بمقاطعة وسائل إعلام خارجية، منها قناة الجزيرة، بدواعي عدم الحياد، هذا قبل أن يتدخل العقلاء لوقف المهزلة وحقن ما تبقّى من ماء الوجه.

نعم، يوجد إعلام مستقل، ويوجد إعلام محايد – لكن لا وجود لإعلام محايدٍ (تمامًا) في هذا العالم، فذلك محض وهم.

حتى كاتب هذه السطور، الذي يزعم الاستقلالية، لا يدّعي الحياد في ما يجري في السودان، لأن الحياد بين النور والظلام، وبين الخير والشر، وبين الحرية والاستبداد، ليس فضيلة بل عار.

ولو أن قاتلي منحني لحظة أخيرة لأكتب كلمة الوداع قبل أن يطلق رصاصته نحوي، لما كتبت إلا لعناً في كيزان السودان، وتجار الدين عامة من الدوحة إلى إسطنبول ومن طنجة إلى جاكرتا.

وأمس تكرّر المشهد الممل ذاته، حين زار فريق إعلامي تابع لفضائية سكاي نيوز عربية” مدينة الفاشر، فاستشاط إعلام بورتسودان غضبًا، وانهال سبًّا وإساءةً وبذاءةً، حتى طالت المذيعة ومقدمة البرامج اللامعة “تسابيح خاطر”، لم تسلم من ألسنتهم السافلة!

وزارة إعلامهم أصدرت بيانًا رسميًا من تلك البيانات الحربية المهووسة بـ “السيادة”، وكأنّ التي دخلت الفاشر فرقة غازٍ قاتل قادمة من إيران، لا فريق تلفزيوني يحمل الكاميرات لا البنادق!

لكن إذا عُرف السبب بطل العجب.

فدعاية كيزان بورتسودان، المسنودة بآلة التنظيم العالمي للإخوان ويده الطويلة الممتدة، بل في بعض الدول التي تتدعي محاربتهم، إذ صار واضحاً أنه حين يتعلق الأمر بالسودان يصبح الجيران “إخوانًا” !

كانت الدعاية تقوم على الانتهاكات الملازمة أصلاً لهذه الحرب اللعينة، والتي تظهر مع انتصار كل طرف على الآخر، وهي مدانة ومنبوذة، قليلة وكثيرها، ومقتل بريء واحد هو جريمة كمقتل المئات من الأبرياء.

لكن الفوتوشوب والتزوير وتضخيم الأهوال أمر مرفوض ومدان أيضًا. لقد صُوّرت قوات الدعم السريع في الفاشر كما لو كانت شياطين أسطورية خارجة من قصص الخيال المرعبة!

ولئن اعترف الجندي “أبولو” بقتل ألفَي أسير من الجيش والقوات المشتركة بدوافع الانتقام لأسرته التي قتل جميع أفرادها – كما يتردد- فهذا الرقم كفيل وحده بإدخاله موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكثر القتلة دموية في التاريخ الحديث ، ولا أعرف ما الحاجة إلى تزوير المزيد؟ ولماذا الفوتوشوب والواقع نفسه فاق الخيال؟ أكلّ ذلك لإدانة الدعم السريع كمؤسسة لا كأفراد؟

هذا الإفراط في اختلاق الجرائم أدركته أخيرًا وسائل الإعلام العالمية، وبدأت الأكاذيب تتهاوى الواحدة تلو الأخرى.
ولهذا السبب ذهبت سكاي نيوز عربية إلى الفاشر لتتحقق من الحقيقة على الأرض، وهو جوهر عمل الصحافة، فما سرّ كل هذه الضجة؟ ولِمَ هذا الخوف؟

الخوف سببه أن ما بثّته “تسابيح خاطر” بعد زيارتها للفاشر هدم الرواية الرسمية عن القبور الجماعية والاغتصابات وقتل الأطفال. بل ضرب في مقتل صورة البرهان وهو يحتضن امرأة قيل إنها نازحة من الفاشر، ذارفًا دموعًا زائفة في مشهدٍ كانت فيه العين تبصق على الجلاد، لا تدمع تعاطفًا مع ضحيته!

فقد أظهرت الكاميرا آلاف النساء والأطفال ومئات الرجال العائدين إلى بيوتهم، والحياة تدب من جديد في شوارع المدينة.
إنها “لقطة تسابيح” العابرة التي كشفت أن ثمة حياة، وأن أعداء الحياة هم من أرادوا طمسها.

بل أطاحت اللقطة الحقيقية المجردة ببساطتها وقوتها ونفاذها بخطة إعلامية تم الإعداد لها منذ وقت طويل، صرفت عليها أموال طائلة، وضربت في مقتل تصورات كثيرين ممن اعتادوا تصديق النصوص الجاهزة المعلية في مصانع بورتسودان للإعلام الكيزاني المقيت!

وهنا لابد لنا أن نُشيد بشجاعة فريق سكاي نيوز عربية، ونخصّ منهم تسابيح مبارك خاطر صاحبة اللقطة العفوية العابرة على مهنيتها وشجاعتها.

وندعو قوات الدعم السريع إلى فتح الأبواب أمام منظمات الإغاثة وللجان الدولية للقدوم إلى دارفور والاطلاع على الأوضاع ميدانيًا، وتقديم العون للمتضررين.

والأهم، السماح لكل وسائل الإعلام العالمية بالدخول بحرية لرؤية الحقائق كما هي، وإلا فسيبقى العالم يرى دارفور من خلال التزييف الإعلامي البصري، والتلاعب الرقمي بالوسائط، وأضاليل التيك توك، فيرى فاشرًا أخرى مزوّرة.
فاشر الـ Deepfake ، لا فاشر الحقيقة التي كشفتها كاميرا تسابيح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.