في لحظة ما يصل الوطن إلى مرحلة يختلط فيها الحق بالوجع ويصبح الحكم على الأشياء مرهوناً بميزان منحرف صنعته الحروب. عندها فقط تتحوّل الهدنة — تلك التي يفترض أن تكون نافذة تنفس — إلى تهمة ويُنظر إلى كل من يرفع راية السلام وكأنه يرتكب خيانة. وعندما تتشوّه القيم إلى هذا الحد فذلك دليل قاطع على أن الوطن بلغ حداً من الإنهاك لم يعد فيه قادراً على التفريق بين من يطفئ النار ومن يزيد اتقادها.
الحروب لا تكتفي بتمزيق الخرائط بل تمزق الإدراك أيضاً. تربي الشك في صدور الناس وتغرس اليأس حتى يبدو أي مسار نحو الهدوء كأنه فخ أو مؤامرة وما من مجتمع يطول فيه النزاع إلا ويبدأ في معاقبة صانعي الخير، لأن الضجيج يصبح هو اللغة الوحيدة المألوفة،ط وكل ما عداها يبدو نشازاً.
لكن الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن السلام لا يحتاج إلى شجاعة عابرة بل إلى جرأة تاريخية. فالحرب قرار سهل، أما إيقافها فهو الامتحان الأصعب، الامتحان الذي يرفض البعض خوضه خوفاً من مواجهة الذات أو خسارة نفوذ صنعته الفوضى.
وعندما يصبح الساعي للسلام مكروهاً، فاعلم أن الدم سال أكثر مما ينبغي، وأن الوجوه تعبت من البكاء، وأن الضمائر اختنقت تحت ركام خطاب الكراهية. عندها يصبح السؤال الأكبر: كيف نعيد للوطن وعيه قبل أن نفقد ما تبقى منه؟
الهدنة ليست ضعفاً والسلام ليس خيانة. الهدنة هي الخطوة الأولى نحو شفاء طويل والسلام هو أعلى درجات الانتصار أما الاستمرار في الحرب، فهو الطريق الأقصر نحو وطن لا يجد فيه الأطفال معنى للغد.
وحين ندرك ذلك، سيعرف الجميع أن العيب ليس في الهدنة… بل في أن نسمح للصراع أن يبتلع أرواحنا حتى ننسى أن أوطاننا تبنى بالسلام لا بالدم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.