أ/سلــيم محــمد عــبداللــه
فــي أروقــة مراكــز غسيل الكــلى بولايــة الخرطــوم، لا تــقتصر الأزمــة على نــقص الإمــدادات القاتــل؛ إنها تتــجذر في خيانة الأمانــة المهنية التي تضاعف معاناة الأجساد المنهكة. هنا، تتحول الحياة إلى رهن إجباري لدي ماكينات غسيل الكلي [الاستصفاء الدموي ]تئن، ويصبح الوجود مرهوناً بقرار إداري خارج عن نطاق الإنسانية.
إن ما يحدث ليس مجرد تقصير، بل هو نزع للشرعية الإنسانية عن قطاع حيوي.
هذا المقال هو كشف صادم يُعــرّي الفــشل والــفساد المُمنهــج داخل إدارة الكلى التي حولت مهامها الخدمية النبيلة إلى محرقة لحقوق المرضى والكوادر، مما يضع آلاف الأرواح على حافة الهاوية.
أولاً:::إدانــة الانهيار الإداري.. تسييس المهنة وخيانة الأمانة
لقد خرجت إدارة الكلى عن مسارها المهني والإنساني، مُستبدلة إياه بــــ”سيــاسة التصفية والتخــويف” الكوادر الطبية التي تُجابه الموت يومياً أصبحت تُجابه الإهمال الإداري والابتزاز:
اغتــيال المهــنيـــة::: عند مطالبة الكوادر بحقوقها الأساسية من مرتبات متأخرة إلى حوافز ضائعة يتم تصنيفها فوراً بـــــ “التـــصنيف السياسي الــــمُهدد” هذا السلاح الإداري القذر يضع الكادر أمام خيار وحيد: إما الصمت وتضييع الحقوق، وإما المطالبة والتضحية بالمستقبل المهني. هذا الترهيب هو اغتيال مُتعمد للمهنية والأمانة في القطاع الصحي.
الإدارة و الخــروج عــن المــسار :: تحويل المهنية الإنسانية إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية يكشف عن فساد مالي وإداري عميق. هذا الفراغ الإداري والمهني يدفع ثمنه المريض مرتين: مرة بنقص الخدمة، ومرة أخرى بتكاليف العلاج التي تُضاعف أوجاعه
ثانيــــاً: الفـــشل التشغيــــلي كارثـــة القـــساطرة ونزوح المرضى القسري
تتجلى كارثة الفشل الإداري في عجز الإدارة عن توفير أبسط متطلبات إنقاذ الحياة، مما يزيد العبء المادي والجسدي على المريض:
750 ألف جنيه مقابـل النــجاة:: يواجه المريض ارتفاعاً جنونياً وتاريخياً في تكاليف العلاجات المُنقذة للحياة مثل “الدريبات” و”الهـــيبارين” والأدهى والأمر هو تكلفة القسطرة الدائمة التي تفوق 750,000 جنيه سوداني {ثمن القسطرة فقط }دون احتساب رسوم التركيب الباهظة.
فشل التـوطيــن وإجــبار الــنزوح:: أكبر دليل على فشل إدارة الكلى في ولاية الخرطوم هو عجزها عن توفير جهاز تركيب القسطرة الدائمة أو الكوادر المتخصصة لإجرائها. هذا العجز المهني يُجبر المرضى المنهكين على رحلة عذاب قسرية إلى ولاية نهر النيل. هذه الرحلة ليست فقط عبئاً مادياً إضافياً، بل هي تكدس غير إنساني في مراكز نهر النيل التي تعمل فوق طاقتها القصوى، مما يرهق كوادرها ومرضاها الأصليين.
إدارة لا تستــطيع تـوفـــير “قــــساطــرة”، هي إدارة فقدت صلاحيتها في المسؤولية المهنيةو الأخلاقية للوجود.
ثالـــثاً::: الخطر البيولوجــي{الــعدوي } الأبطال بين الموت والفيروسات
في هذا المحور، يتجسد الإهمال الإداري كتهديد مباشر للصحة العامة، حيث يتحول مركز الغسيل إلى بيئة خصبة للأمراض:
انعــدام “الجونــتات” وتهــديد “الهيباتايتس”: تعاني المراكز من نقص حاد ومُتعمد في مستلزمات مكافحة العدوى، وعلى رأسها القفازات (الجونتات). هذا الانهيار في بروتوكولات مكافحة العدوى هو بمثابة “تفجير بيولوجي” داخل المراكز.
الــتهاب الـــكبد الوبــائـي (Hepatitis): الإهمال في توفير أدوات الحماية يرفع بشكل كارثي من خطر انتشار الأمراض الفيروسية مثل التهاب الكبد الوبائي بين المرضى والكوادر على حد سواء. إن عدم اهتمام إدارة الكلى بهذا القطاع هو تخريب ممنهج للصحة العامة.
غــياب المنــــقذ:: يُضاف إلى ذلك النقص الحاد في “أدوية الطوارئ المنقذة للحــياة”. الكادر الطبي الذي ضحى بأسرته وسلامته، يقف الآن مكبلاً الأيدي أمام المضاعفات الحادة التي قد تودي بحياة المريض في لحظات، ليتحول دوره من منقذ إلى شاهد عاجز.
الضريــبة القـاتلــة والنــداء الأخــير للضمــير
إن ما يجري في مراكز الكلى هو ضريبة الفراغ المهني الذي خلفته سياسات الفساد والإهمال. الكوادر الطبية تستحق التكريم على صمودها الأسطوري، لا التهديد والتصنيف. المرضى يستحقون الحق الأصيل في الحياة، لا رحلات العذاب القسري وتكاليف الفقر.
هذه ليست أزمة إغاثة، بل هي أزمة مساءلة. يجب على المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أن تدرك أن إنقاذ حياة مرضى الكلى يمر بـ “تطهير إداري” عاجل لوزارة الصحة، وتحييد كامل لمراكز الغسيل عن أي صراع أو تسييس.
لابد أن يتوقف نزيف الدم والضمير. لابد أن تعود المهنية الإنسانية لتكون هي السلطة العليا في مراكز الكلى. فالأرواح معلقة، ولا عذر بعد اليوم للجهل أو الصمت.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.