بين الإستبداد وإستغلال الأيديولوجيا .. وجه الشبه بين الكيزان والنازيون

عبدالرحمن العاجب

على الرغم من اختلاف الزمان والمكان، إلا أن هناك العديد من أوجه الشبه بين الحركات السياسية المتطرفة التي مثلها نظام الحركة الإسلامية، أو ما عُرف بإسم نظام الكيزان في السودان وحركة النازية في ألمانيا. ففي حين أن النازيين وصلوا إلى الحكم في ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، فإن الكيزان حكموا السودان لمدة ثلاثين عامًا بدءًا من عام 1989. ورغم التباين الكبير بين السياقين التاريخي والجغرافي، يمكننا رصد العديد من التشابهات في الأساليب والممارسات بينهما، سواء في مجال القمع السياسي، أو في الاستغلال الأيديولوجي للدين والعرق، أو في بناء الأنظمة الشمولية ذات الطابع العسكري.

من أبرز أوجه التشابه بين الكيزان والنازيين هو استغلالهم للأيديولوجيا لإرساء حكمهم. النازيون استغلوا فكرة التفوق العنصري للشعب الآري، وصوروا أنفسهم كـ “حماة” للعرق الآري ضد ما اعتبروه تهديدات من الأقليات العرقية، خاصة اليهود. في المقابل، استغل نظام الكيزان الدين الإسلامي كأساس لشرعنة حكمهم. فقد استخدموا شعارات “الإسلام هو الحل” و”الدولة الإسلامية” لبناء قاعدة شعبية تدعم حكمهم، وقاموا بتطبيق سياسات قمعية تحت ستار الحفاظ على الهوية الدينية للبلاد.

الحكم النازي في ألمانيا كان نظامًا استبداديًا استخدم القمع الممنهج للمعارضة، وكان من أبرز ملامح هذا القمع الاعتقالات الجماعية والتعذيب والقتل. النازيون لم يترددوا في قتل ملايين البشر خلال فترة حكمهم، بدءًا من الأعداء السياسيين وصولًا إلى الأقليات العرقية. وكذلك في السودان، لم يكن الكيزان أقل قمعًا؛ فقد مارسوا القمع الوحشي ضد المعارضين السياسيين، وفرضوا قوانين تعسفية، وأقاموا سجونا ومعتقلات لتصفية الحسابات مع خصومهم.

النازيون استخدموا وسائل الإعلام بشكل ممنهج لبث الدعاية السياسية التي تروج لأيديولوجيتهم، حيث كان لدى الحزب النازي قدرة كبيرة على توجيه الخطاب العام بما يخدم أهدافهم. استخدموا الصحف، والإذاعة، والسينما لنشر أفكارهم عن التفوق العرقي، وشيطنة الأقليات. وفي السودان، استخدم نظام الكيزان نفس الأسلوب: سيطروا على الإعلام الحكومي، وفرضوا رقابة مشددة على الصحافة والإعلام والقنوات الفضائية، وساهموا في نشر الدعاية التي تمجد إنجازات النظام وتشوه صورة المعارضة.

وصل النازيون إلى السلطة بعد انقلاب عسكري، حيث استغل هتلر الدعم الشعبي بعد انهيار الجمهورية فايمار الضعيفة، وبذلك أسسوا حكمًا شموليًا قائمًا على الفردية المطلقة. وفي السودان، بدأ الكيزان حكمهم بانقلاب عسكري على الحكومة المنتخبة عام 1989، مستغلين ضعف الدولة وتدهور الأوضاع الاقتصادية. مثل النازيين، سعى الكيزان إلى بناء دولة ذات حكم شمولي، حيث تم تهميش مؤسسات الدولة المدنية لصالح الأجهزة العسكرية والأمنية.

على الرغم من أن النازية كانت تهدف إلى التوسع العسكري على نطاق واسع، إلا أن الكيزان كانوا يسعون أيضًا إلى التدخل في شؤون الدول الأخرى، وخاصة في المنطقة الأفريقية. في فترة حكمهم، دعم نظام الكيزان جماعات مسلحة في مناطق مثل تشاد وأفريقيا الوسطى، وساهموا في تسليح بعض الحركات المعارضة في دول أخرى. مثلما سعى النازيون إلى فرض هيمنتهم على البلدان المجاورة، حاول الكيزان أن يكون لهم نفوذ في منطقة شرق إفريقيا عبر استراتيجيات متنوعة، بما في ذلك الدعم المادي والتسليح لبعض الحركات.

من أبرز السمات التي ميزت فترة حكم النازيين هي المذابح والتطهير العرقي ضد اليهود والغجر والسلاف، فضلاً عن معاقبة أي شخص كان يُعتبر تهديدًا للنظام. كانت “المحرقة” واحدة من أبشع فصول تاريخهم. بينما في السودان، ارتكب نظام الكيزان مجازر واسعة في جنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ضد الأقليات العرقية، حيث استخدموا المجاهدين والميليشيات المسلحة المدعومة من الدولة لقتل وتطهير المناطق التي كانت تُعتبر معادية للنظام. هذه المجازر ارتكبت تحت غطاء ديني وأيديولوجي مشابه للنازيين الذين زعموا أنهم يحمون “النقاء العرقي”.

في النظام النازي، كان أدولف هتلر هو الشخص المحوري الذي قاد الحركة ودفع بها إلى السلطة، وهو كان يمارس نوعًا من العبادة الشخصية من قبل أتباعه. وكان أي نقد له يُعتبر خيانة عظمى. وبالمثل، كان لدى الكيزان شخصية محورية، هي حسن الترابي، الذي كان له دور كبير في صياغة الفكر الأيديولوجي للحركة، قبل أن ينقلب عليه بعض قيادات النظام لاحقًا. وقد تميزت السياسة السودانية في تلك الفترة بوجود شخصية محورية جعلت أي انتقاد لها بمثابة خيانة للنظام.

الكيزان والنازيون يشتركان في العديد من الانتهاكات التي تروّج للفكر المتطرف والعنصري، ويستند كلاهما إلى أيديولوجيات تقوم على القمع والقتل والتدمير لتحقيق أهداف سياسية. في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتائب البراء ابن مالك الإسلامية التابعة للحركة الإسلامية في السودان، التي لعبت دورًا كبيرًا في تنفيذ الانتهاكات المروعة بحق المدنيين في حرب السودان الحالية. هذه الكتائب، التي لها ارتباطات بالجهاد وتطبيق الشريعة، كانت في الواقع أداة لتشويه هذه المفاهيم من خلال أعمالها الوحشية التي لا تميز بين العسكريين والمدنيين.

قامت كتائب البراء إبن مالك الإسلامية بعمليات قتل جماعي وزبح للعديد من المواطنين الأبرياء، ونفذت ممارسات تتسم بالعنف الوحشي، حيث يتم تنفيذ هذه الجرائم دون رحمة أو تفريق بين مختلف فئات الشعب السوداني. هذا يشبه إلى حد كبير ما قام به النظام النازي في ألمانيا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حيث سعى النازيون إلى القضاء على “العدو” بطرق لا إنسانية، متجاهلين أي قواعد أو قوانين إنسانية أو حقوقية. إذًا، يظهر التشابه بين الكيزان والنازيين في استخدامهم للقوة المفرطة واستهداف المدنيين الأبرياء بهدف تحقيق أهدافهم السياسية على حساب حياة الناس وسلامتهم.

استخدم النظام النازي العنف كأداة رئيسية لفرض هيمنته، حيث مارس عمليات القتل الجماعي، والاغتيالات السياسية، والاعتقالات التعسفية. كذلك فعل نظام الكيزان، حيث استخدم العنف ضد كل من يعارضه، سواء كان ذلك من خلال الحروب الأهلية أو من خلال قمع التظاهرات السلمية ومصادرة الحريات العامة، مما أسفر عن مئات الآلاف من الضحايا، ويمكن القول إن المقارنة بين النازية والكيزان تقدم درسًا تاريخيًا في كيفية أن الأنظمة الشمولية يمكن أن تستغل الأيديولوجيا والدين والعرق لتحقيق أهدافها السياسية. ورغم اختلاف السياقات، إلا أن أوجه الشبه بين ممارسات النظامين في قمع المعارضين، وتوجيه الدعاية، واستخدام العنف لتحقيق السيطرة، تبقى محورية لفهم كيف يمكن للأنظمة الشمولية أن تعيث فسادًا في أوطانها وتؤثر في المجتمعات التي تحكمها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.