الثورة السودانية التراكمية و سدرة المنتهى فى ال 15 من ابريل 2023 م !!

كنديرة

(انا ابن بادية بسيط نشأت فى وديان وفيافى دارفور ولم اعرف من الدولة إلا عنفها على مجتمعاتى ) القائد محمد حمدان دقلو ..
بهذه العبارة التى افتتح بها قائد التغيير محمد حمدان دقلو خطابه المؤيد للإتفاق الإطارى فقد مضى بعيدآ فى إنحيازه الفعلى لثورة ديسمبر وقال بالفعل أنه يجد نفسه متفق مع شعارات الثورة ومطالبها العادلة !
وقد توقفت كثيرآ عند هذه العبارة وتأملت دقتها المتناهية فى وصف حالة الواقع فى غرب السودان والثائر الحقيقى هو الذى يستطيع أن يعبر عن مآسئ قومه ويكون لسان حالهم وقد اختصر الثائر العظيم محمد حمدان فى هذه الجملة ما لا يمكن حصره فى كتاب كامل !
والحقيقة أن ما تسمى بالدولة التى تتبجح بها عصابة 56 وتسخدمها كفزاعة ضد مناهضيها وأداة ارهاب لإرهاب الناس و إرغامهم على الخضوع والطاعة !
لا وجود لها بالمعنى المتعارف عليه عن الدولة الحديثة فبالإضافة للأرض والشعب والعقد الإجتماعى وجهاز السيادة الذى يشمل الحكومة وواجباتها تجاه المواطن من خلال مؤسسات الدولة الخدمية مدنية كانت أو عسكرية !
فالجزء الأخير من معنى الدولة يكاد يكون معدومآ تمامآ فى غرب السودان !
فلا وجود لمستشفى واحد مرجعى فى غرب السودان كله ! كما لا توجد مدارس تناسب طبيعة الحياة البدوية وعلى قلة المدارس التى توجد بها داخليات تستوعب أبناء الرحل قبل الإنقاذ فقد تم اغلاقها وتجفيف نظام الداخليات واستعاضوا عن ذلك بنظام التعليم المتنقل وهو لذر الرماد على العيون ولذا فقد مات فى مهد التجربة !
مما خلق فاقد تربوى مضاعف فى تلك المجتمعات !
أما فيما يتعلق بالأمن فهو معدوم تمامآ منذ ميلاد دولة ما بعد الكونيالية وقد استعاض أهل البادية عن ذلك بالفزع لحماية قطعانهم وممتلكاتهم من قطاع الطرق والنهب المسلح الذى ظهر بعد 1985م قادمآ من وراء الحدود فى الإتجاه الشمالى الغربى من اقليم دارفور واللبيب بالإشارة يفهم !
وثقافة الفزع هى ثقافة راسخة فى بادية غرب السودان ووليدة الحاجة كذلك كما أن دور الإدارات الأهلية كان ومازال مهمآ ومتعاظمآ كتعويض عن فقدان دور الدولة فى الفصل و معالجة وحلول المشاكل التى تطرأ ما بين الناس هناك !
وعودآ على مطلع المقال فإن خرقة دويلة 56 البالية والتى بالكاد تغطي حاجة الناس فى الشمال و الوسط مكان حواضن عصابة 56, ليس لها من وجود فى غرب وجنوب السودان ولا سيما بمعناها الإيجابى ولم تعرف المجتمعات هنالك غير ووجها الكالح الذى لا يقدم للإنسان فى تلك البقاع سوى الموت والموت فقط ! قاتلآ أو مقتول فهو إما مع الدولة فتستخدمه كدروع بشرية ضد الثوار فى الجنوب والغرب الى درجة أن يستخدم هو وحصانه ككاسحات للألغام كما حصل لأبناء قبائل التماس مع الجنوب من مسيرية وحوازمة ورزيقات وهبانية ..الخ.. أو أن يكون هدفآ لإبادته كتمرد ضد الدولة كما حصل لقبائل الفور والزغاوة والمساليت والتى بسبب تلك الإبادة الموثقة أصبح رأس الدولة عمر البشير ومعاونيه مطلوبيين للعدالة الدولية وللأسف اصبح الآن من كان بالأمس متمردآ وارتكبت فى حق أهله الإباده بسبب تمرده ! أداة للموت بيد الجلاد وقدم أهله كدروع بشرية فى مفارقة مضحكة و مبكية فى الدرامة التراجيدية لدويلة 56 !!
إذن فإن قائد ثورة الخامس عشر من ابريل الذى دشن ثورته ضد دويلة 56 بتلك المقولة الخالدة فقد عبر عن مجتمعات كاملة كانت ومازالت تتلمس طريقها فى معادلات الدولة السودانية المختلة وقد عبرت عن نفسها وثورتها المكبوتة منذ 1899م عندما وئدت ثورتها الأولى واسقطت دولتها الوطنية قبل بلوغ مراميها لتحقيق التحرر الوطنى الكامل ، فتآمرت عليها ذات النخبة الفاشية وقادت الإستعمار الثانى الإنجليزى المصرى من خلال التخابر والعمل العسكرى المباشر ، ومن المعروف أن جيش البازنقر الذى انشأه محمد على باشا بعد احتلاله للسودان فى 1821م فيما عرف بالإحتلال التركى المصرى، ثم من بعد هزيمته فى الثورة المهدية تراجع ما تبقى منه الى مصر، ثم كان ضمن الجيش الغازى للمرة الثانية فى حملة كتشنر !
وللأسف أصبح من بعد هو قوام الجيش السودانى الحالى وقادته والأفندية من موظفى الإستعمار والعملاء هم من ورث الإستعمار فى 1956م ، فكان طبيعيآ أن تفشل دويلة ما بعد الإستعمار لأنها لم تعبر عن الشعب السودانى وثورته وانما تعبر عن الإستعمار ومصالحه وعن طبقة الأفندية العميلة !
ولذلك فإن ثورة الأشاوس تعبر عن الثورة السودانية التراكمية فى صراعها مع هذه الشرزمة النازية البغيضة والغريبة عن السودان وأهله ،
ولذلك عملت وبمختلف أحزابها ونقاباتها المدنية وبالتواطوء مع جيش البازنقر على اجهاض حلم السودانيين فى استكمال عملية التحرر الوطنى وتأسيس الدولة الوطنية فصودر الإستحقاق الوطنى للسودانيين وبإيعاز من جيش الخديوى الأصل فى مصر فكان انقلاب عبود 1959 م، ونميرى 1969م ،و عمر البشير 1989 م ولا أدرى ما العلاقة مابين كل هذه الإنقلابات والرقم 9 وحتى مفاصلة البشير والترابى كانت فى 1999م ولاغرو وأن بعد هذه المفاصلة تم خضوع نظام الإخوان فى السودان بالكامل لمصر كما تم التنازل عن حلايب وشلاتين وابورماد لصالح مصر وحتى فض اعتصام القيادة العامة كان كذلك فى 2019م وبإيعاز من الجارة الضارة على غرار فض اعتصام رابعة العلوية ، وقبل كل ذلك كان اسقاط الدولة الوطنية الأولى فى 1899م ، وكل النكسات الوطنية و الإنقلابات ما كانت إلا لقطع الطريق على تحقيق مطالب الثورة السودانية المشروعة فى اكتوبر 1964م وابريل 1985م وديسمبر 2018م ، فضلآ عن مواصلة حملات القمع والإبادات المنظمة لثورات الهامش المسلحة فى جنوب السودان وغرب السودان ، كما يجرى الآن لثورة الخامس عشر من ابريل، بيد أن هذه الثورة قد قلبت الموازين واوشكت على والإنتصار الكامل وما كان لذلك أن يحدث إلا بإرتفاع درجة الوعي الثورى لمجتمعات الهامش التى تعلمت من تجاربها المريرة مع دويلة 56 المشؤومة التى لا تميز بين عدو أو صديق إلا بقدرما يقدم لها من خدمة مجانية !
بالإضافة الى قيم الفروسية والشجاعة التى يتمتع بها أحفاد التعايشى ومادبو ودينار وبابونمر الخ من اسلاف الأشاوس الأبطال الذين هزموا جيش الإمبراطورية العثمانية والبريطانية فى ذلك الزمن وبواسطة الأسلحة البيضاء مقابل مدافع المكسيم فى مفارقة من معجزات البطولة الخرافية وكأنما التاريخ يعيد نفسه من جديد ! لنرى هؤلاء الأحفاد اليافعين يهزمون دولة عمرها 70 عام وبكل ترسانتها العسكرية وخبراتها المتراكمة وبواسطة الأسلحة العادية والخفيفة مقابل سلاح الطيرات والمجنزرات والمدرعات !
ولكنها الثورة والإيمان بالقضية العادلة الذى يفعل المستحيل ! ولذا يجب أن ينظر لما يجرى الآن كثورة متصلة وتعبير عن جماع الهبات السودانية التى لم تكتمل ، فالسردية التى لا ترى فيما يجرى أكثر من صراع ما بين فصلين عسكريين ، سردية مجحفة جدآ فى حق هؤلاء الثوار الأبطال بقدرما تعبر عن تفسير سطحى و مبسط ومخل !
فالد.عم السر.يع ليس فصيلآ عسكريآ نظاميآ فحسب بل هو تعبير عن ثورة عريضة لكل الهامش السودانى ولكل الشعوب السودانية الأصيلة التى طالما ظلت على هامش الحياة طوال عمر دويلة الأبارتايد السود فى الخرطوم ، كما تعبر عن كل شرفاء الشعب السودانى ومن كل اقاليمه وهى تمثل تمامآ إمتدادآ للثورة الوطنية الأولى فى 1881م وهى ثورة تأسيس الدولة الوطنية بامتياز ، ثورة تحقيق مبدأ و دولة المواطنة المتساوية المفقودة منذ 1956 م !!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.