سقــوط المؤســسة العسكريــة: الثــمن الباهظ لعـــودة “الشــــرذمـة” بالمليشيات المأجـــورة
أ/سلـــيم محمـد عبداللــه
،ينوح الوطن، وتتآكل المؤسسات أمام أعين التاريخ. إن الجرح الغائر في جسد السودان ليس جرحاً عرضياً، بل هو نتاج خيانة مؤسسية عظمى ارتُكبت في وضح النهار. لقد عمدت شرذمة الإخوان المسلمين إلى عملية تفريغ مُتعمّد وقاسٍ للمؤسسة العسكرية من شرف مهنيتها وعقيدتها القتالية، محوّلة إياها من حامية للعريض والعرض إلى مجرد أداة طيعة في يد تنظيم أيديولوجي مُستبد. اليوم، وبعد أن سقطت ورقة التوت عن فشلهم الذريع، يواجهون الهزيمة باستراتيجية أكثر حقارة: الاستنجاد بقوة مأجورة هي مليشيات القوة العسكرية المشتركة، والبراءون، والكيكلاب، وباقي المليشيات الأخرى، ليُقدموا دماءهم وقوداً لمشروع عودة فاشل، على حساب النزيف الأبدي لشباب الوطن.
تفــريغ المهنــية والانهيــار الهيــكلي للمؤسسة العسكرية
لقد كانت المؤسسة العسكرية تاريخياً هي العمود الفقري للدولة، لكن العقود الأخيرة شهدت عملية اغتيال ممنهج ومُتعمَّد لروحها القتالية. التيار الإسلامي عمل على تفكيك البنية الصلبة للجيش عبر:
الإحــلال العــــقائدي وتآكل القــدرة القتــــالية: تم تصفية الكفاءات والكوادر المهنية لصالح عناصر موالية أيديولوجياً، مما أدى إلى تآكل القدرة القتالية الحقيقية وتحويل المؤسسة إلى مجرد وكالة لتنفيذ أجندات تنظيمية. هذا التفريغ هو السبب الجذري في الانهيار الذي شهدته الدولة، حيث أصبحت المؤسسة عاجزة عن أداء دورها التقليدي في حماية العرض والأرض والمواطن.
ضــرب الحـــلفاء بــلا مـــراعاة للمكــــونات: في ذروة الحرب، كشفت شرذمة الإخوان عن طبيعتها النفعية القاسية؛ حيث وجهت نيران الصراع نحو مكونات كانت جزءاً من حواضنها أو حلفائها، ضاربة بعرض الحائط بأي ولاء أو شراكة سابقة. هذه القسوة تُثبت أن الهدف الأسمى ليس الدفاع عن الوطن أو حتى عن حلفائهم، (اللذين يــقاتلون معـــهم ) بل هو البقاء على سدة الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب تلك المكونات التي تقاتل في صفوفهم. هذه التضحية بحلفائهم تكشف طبيعة علاقتهم النفعية بكل من يتعاون معهم.
فـــشل “الـــقوة العــسكريــة” واللــــجوء إلى الأجندة المأجورة
إن المشهد الحالي يُعد اعترافاً ضمنياً بفشل ذريع لـ القوة الصلبة التي راهن عليها الإخوان المسلمون. لقد دُمرت هذه القوة بالكامل أو أصبحت غير صالحة للاستمرار في القتال:
الإعـــطاب العـــسكري والنفـــسي للكــــوادر: الجزء المتبقي من الكوادر العسكرية الموالية أصبح غير صالح للاقتتال؛ فمنهم من فقد أجزاء من أطرافه، ومنهم من يعاني من جروح وعاهات دائمة، ومنهم من أدرك الحقيقة المُرّة ما وراء الشعارات الجوفاء وانسحب من هذه المعركة العقائدية. لم يعد هذا التيار يملك القدرة العسكرية الكافية لإدارة الحرب بعد أن استُنزفت نخبة مقاتليه.
الاستنـــجاد بالمــــليشيات لتعويـــض الــــفراغ: بعد هذا الفشل، كان الخيار التكتيكي هو الاندفاع نحو التعاقد مع مليشيات القوة العسكرية المشتركة، والبراءون، والكيكلاب، وباقي المليشيات الأخرى. هذا الاستنجاد ليس دليلاً على قوة، بل هو اعتراف صريح بالضعف واليأس التام. هنا تكمن الإشارة الأشد قسوة: يُشترى الدم المأجور ليُعوض الفشل في الحفاظ على المؤسسة الوطنية، ويصبح هؤلاء المرتزقة هم الأداة لتمهيد طريق عودة الشرذمة الحاكمة.
اسـتنزاف الشــــعب الســوداني الأعـــزل: الخيار الأخير والأكثر بشاعة هو اللجوء إلى استنفار الشعب السوداني غير المدرب وغير المؤهل للاقتتال. هذا الاستغلال هو القمة في التناقض؛ حيث إذا لم تستطع القوة الصلبة المدربة للتيار الصمود، فكيف يُطلب من شباب أعزل، ليست لديه الخبرة الكافية في الاقتتال، أن يقدم روحه ثمناً؟ هذا هو الاستغلال الأقصى لأرواح المواطنين كـ حطب جديد لآلة الحرب.
الاســتباحة الشـــاملةثــروة ودماء من أجل العودة
إن استراتيجية التيار الإسلامي تقوم على مبدأ لا يمكن التغاضي عنه: المهم هو العودة للحكم، ولو بثمن أرواح الشعب السوداني.
اســـتنزاف الـــثروات لتمــــويل الــمرتـــزقــة::: يتم توجيه موارد وثروات الوطن لتمويل هذه المليشيات المأجورة التي يتم استقدامها كقوة بديلة عن المؤسسة العسكرية المنهارة. هذا السلوك ليس مجرد فساد، بل هو خيانة مُمنهجة للمصلحة الوطنية؛ فبدلاً من توجيه الموارد لإغاثة المتضررين، يتم توجيهها لتمويل من يساهمون في إطالة أمد الحرب وزيادة الدمار.
الكــلفة البشـــرية الباهـــظة: يتزايد عدد الضحايا المدنيين بوتيرة جنونية، لكن هذا النزيف لا يوقف تصعيد الخطاب. تُصبح أرواح المواطنين الأبرياء مجرد أرقام في معادلة المساومة السياسية؛ كل روح تسقط تزيد من الضغط على الطرف الآخر لقبول عودتهم. هذا الموقف يتناقض جذرياً مع أي قيمة إنسانية أو وطنية ويؤكد أن مشروع التنظيم أهم من وجود الوطن ذاتــه.
دعــوة للحســم والالــتزام بالمــــهنية
إن اسـتنزاف الشعب السوداني من شبابه وثرواته، واللجوء إلى المليشيات المأجورة بعد تدمير المؤسسة العسكرية، يمثل أقصى درجات الانحراف عن المصلحة الوطنية. الحكومة التأسيسية والمؤسسات الرسمية أمام مسؤولية تاريخية: وقف هذا النزيف وتفكيك المؤسسة الأيديولوجية. يجب أن يكون الرد حاسماً: لا عودة إلى الحكم عبر الدم والنَّفير الأعزل. يجب أن يكون قرار الوطن النهائي: المؤسسة العسكرية المهنية يجب أن تعود حامية للعريض والعرض، والاستقرار الوطني لا يُبنى إلا بوحدة الشعب، وليس باستنزاف شبابه لدوافع
أيديولوجية فاشلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.