الذهب والدم.. ضحايا العيقاد بين صمت بورتسودان وشبهات تورط القاهرة

تقرير: عين الحقيقة

يثير الهجوم الذي استهدف مناطق التعدين الأهلي السودانية في جبل العيقاد شمال الوادي، صباح الثلاثاء، وأسفر ــ بحسب إفادات ميدانية تلقتها «عين الحقيقة» عن سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، تساؤلات عميقة بشأن طبيعة الدور المصري على الحدود وحجم التقاعس الذي تبديه سلطة بورتسودان في حماية المواطنين والأراضي السودانية.

ووفقاً لشهادات وتقارير محلية، بدأت العملية في ساعات الفجر الأولى بغارات جوية نفذتها طائرات مقاتلة، أعقبها تحرك بري واسع شمل عشرات المدرعات العسكرية.. وتشير الروايات الواردة والفيديوهات علي وسائل التواصل الإجتماعي من المنطقة إلى أن القصف استهدف مواقع التعدين الأهلي المكتظة بالعمال السودانيين، ما أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وانهيار آبار ومغارات على من كانوا بداخلها.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإن ما جرى لا يمكن اعتباره حادثاً حدودياً عابراً أو اشتباكاً محدوداً، بل يمثل اعتداء خطيراً على أراضي سودانية وشباب سودانيين عُزل يعملون في ظروف بالغة القسوة سعياً وراء كسب الرزق.

إلى ذلك، أورد الناشط الحقوقي محمد خليفة، في تقرير ميداني نشره علي صفحته «بفيسبوك»، تفاصيل إضافية حول الهجوم، مشيراً إلى أن أربع طائرات مقاتلة من طراز «ميج» نفذت القصف عند نحو الساعة الخامسة صباحاً، قبل أن تطلق عدداً من المقذوفات الصاروخية على مواقع التعدين الأهلي. وبحسب التقرير، تسببت الضربات الجوية في انفجارات متتالية أوقعت قتلى وجرحى، فيما ظل عدد من العاملين محاصرين تحت الصخور وداخل الآبار والكهوف التي انهارت بفعل القصف.

وأضاف خليفة أن الهجوم الجوي أعقبه تقدم أكثر من 50 مدرعة عسكرية قامت، بحسب إفادته، بملاحقة المعدنين الناجين، ما اضطر بعضهم إلى قطع مسافات تجاوزت خمسين كيلومتراً سيراً على الأقدام بعد فقدان وسائل النقل. كما أشار إلى أن الحصيلة النهائية للضحايا لا تزال غير معروفة بسبب تعذر الوصول إلى مواقع الاستهداف، فيما استقبلت المراكز الصحية في سوق الأنصاري وسوق المطار أعداداً كبيرة من المصابين، الأمر الذي أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة نتيجة الاكتظاظ وضعف الإمكانات الطبية.

وتكتسب هذه الإفادات أهمية استثنائية في ظل غياب أي رواية رسمية أو تحقيق مستقل تمكن من الوصول إلى المنطقة، ما يجعلها من بين المصادر القليلة المتاحة لفهم ما جرى في جبل العيقاد.

ويثير الهجوم تساؤلات واسعة حول السياسات المصرية في المناطق الحدودية، إذ يصعب تبرير استخدام القوة الجوية ضد تجمعات مدنية تعمل في التعدين الأهلي، مهما كانت الذرائع الأمنية أو المبررات المرتبطة بمكافحة التهريب وضبط الحدود.. فالقوانين والأعراف الدولية تفرض معايير واضحة لحماية المدنيين وتحظر الاستخدام المفرط أو غير المتناسب للقوة.

إلا أن الانتقادات لا تتجه إلى القاهرة وحدها، بل تمتد إلى حكومة بورتسودان التي التزمت الصمت لساعات طويلة عقب تداول أنباء الهجوم وسقوط الضحايا. فحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر أي توضيحات رسمية بشأن ما حدث أو حجم الخسائر البشرية والمادية، كما لم تقدم السلطات ما يطمئن أسر الضحايا والمفقودين.

ويفتح هذا الصمت الباب أمام تساؤلات مشروعة حول قدرة السلطات على حماية المواطنين في المناطق الحدودية، ومدى استعدادها للدفاع عن السيادة الوطنية عندما يتعلق الأمر بانتهاكات تمس حياة السودانيين وأمنهم. كما يعكس استمرار حالة الفراغ الرسمي التي تدفع المواطنين إلى الاعتماد على روايات الناشطين والمصادر المحلية للحصول على المعلومات في القضايا المصيرية.

وتزداد خطورة المشهد مع الحديث عن وجود مصابين عالقين داخل الكهوف والمناطق الجبلية الوعرة، في وقت تعاني فيه المراكز الصحية القريبة من نقص حاد في الإمكانات، وخروج بعضها عن الخدمة نتيجة الضغط المتزايد. وفي ظل غياب عمليات إنقاذ منظمة وسريعة، تظل احتمالات ارتفاع حصيلة الضحايا قائمة بصورة مقلقة.

إن ما حدث في جبل العيقاد، إذا ثبتت تفاصيله كاملة، لا يمثل مجرد مأساة إنسانية، بل يكشف هشاشة الواقع الأمني والسيادي في المناطق الحدودية السودانية.

كما يضع الحكومة المصرية أمام مطالب متزايدة بتوضيح ما جرى للرأي العام، ويضع سلطة بورتسودان أمام اختبار حقيقي يتعلق بمسؤوليتها عن حماية المواطنين وصون الأراضي السودانية.

وبينما ينتظر السودانيون كشف الحقائق كاملة، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن المعدنين الفقراء أغلبهم من الشباب السوداني الذين قصدوا الصحراء بحثاً عن الذهب وجدوا أنفسهم في مواجهة الموت، وسط غياب الحماية الرسمية وصمت السلطات، لتتحول مناطق التعدين إلى ساحة جديدة يدفع فيها المدنيون ثمن الصراعات والحسابات السياسية والعسكرية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.