الصمت المدوّي والعزيمة الصلبة: ‘حــكومــة تأســيس’ لبــناء جـمهوريــة الســودان الديــمقراطــية

أ/سلــيم محــمد عبداللــه

لحظة التأسيس بين ركام الماضي وأفق المستقبل

في خضم الضجيج السياسي المتصاعد، وبين ركام مرحلة طويلة من الحكم الدكتاتوري العسكري الذي أرهق البلاد وأدخلها في عزلة دولية قاسية، تبرز في المشهد السوداني ظاهرة جديدة تستحق التوقف والتحليل العميق: استراتيجية “الصمت والعمل” التي تتبناها “حكومة التأسيس”. لم تعد الكلمات والشعارات هي العملة المتداولة في الخرطوم والمناطق الهامشية، بل بات الإنجاز الملموس والعزيمة الصادقة هما المقياس الفعلي لمدى الإيمان بضرورة بناء الدولة السودانية بناءً حقيقياً مستداماً.

هذه الحكومة، التي تقودها قيادات مدنية متناغمة، لا تراهن على الاستهلاك الإعلامي، بل تضع نصب عينيها هدفاً قومياً يتجاوز مجرد إدارة الأزمة إلى تأسيس دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، دولة تقوم على ركائز صلبة من الحكم الديمقراطي الفدرالي اللامركزي. إنها لحظة تاريخية فارقة، يتم فيها الانتقال من “دولة اليافطات” إلى “دولة المؤسسات الحقيقية”.

المـــحور الأول: الأبعــاد الثلاثيــة لاستــقامة المؤسسات السيادية

تــعكس رؤية “”حكومة التأسيس”” فهماً عميقاً لأسباب ترهل الدولة السودانية المستمر منذ الاستقلال، الذي تمثل بشكل رئيسي في تداخل وتسييس المؤسسات السيادية. ولتصحيح هذا الخلل الجوهري، انطلقت الحكومة في خطواتها وفق استراتيجية ثلاثية الأبعاد لضمان استقامة المؤسسات:

الفـصل التــشريعي القاطــع: العمل على بناء سلطة تشريعية تمثل الإرادة الشعبية الحقيقية والمناطقية، وتتمتع باستقلال كامل عن هيمنة السلطة التنفيذية، لتكون رقيباً قومياً فعّالاً يحاسب ويشرّع بما يخدم التنمية المستدامة.

استــقامة السلــطة التنفــــيذية: إعادة هيكلة الأجهزة التنفيذية لتكون كفؤة، شفافة، وبعيدة عن الأدلجة الحزبية أو القبلية، بحيث تتركز مهمتها في تقديم الخدمات وتحقيق العدالة التوزيعية للموارد، وصولاً إلى أبعد نقطة جغرافية في البلاد.

الحــصانة القـــضائيــة المطـــلقة: إرساء سلطة قضائية مستقلة بالكامل، تكون صمام الأمان الوحيد والحصن المنيع لسيادة القانون. هذا الفصل الصارم بين الأجهزة هو الضمانة الوحيدة لــــ دولة القانون والمؤسسات التي تنهي حقبة “الشعارات تحت الأقنعة الدكتاتورية”.

هــذه العمليــة ليــست مجرد توزيع للصلاحيات، بل هي إعادة تأسيس للكيان القومي، بهدف إيجاد جهاز قومي يمثل هيبة الدولة السيادية الحقيقية، ويكون حارساً أميناً للوطن والمواطن.

المــحور الـــثاني: الإقلــيم المــتناغم شهادة حية على جدوى الصمت

إن أبرز ما يعكس نجاح هذا التوجه الجديد هو الصورة الإيجابية غير المسبوقة التي تتشكل في إقليم دارفور. ففي سابقة تاريخية، تشهد الإدارات المدنية في ولايات الإقليم،{دارفور} برئاسة رئيس إقليم دارفور د/الهادي ادريس وأعضاء حكومته، تناغماً قلّ نظيره مع الحكومة المدنية المركزية ورئيس مجلس الوزراء.د/محمد حسن التعايشي وأعضاء حكومته هذا الانسجام العميق لم يأتِ من فراغ، بل من إيمان مشترك بـــ أولوية بناء واستقرار السودان ولاسيما إقليم دارفور.

ولأشهر متتالية، يتعافى إقليم دارفور، الذي كان رمزاً للفتنة القبلية {والجهوية المتفشية }، من مشاكله الداخلية، مسجلاً مستويات عالية من الاستقرار الأمني والاجتماعي. إن السر يكمن في:

ربــط النســيج الاجتمـــاعي::: تفعيل دور الإدارات الأهلية ومكونات المجتمع المدني العليا بفاعلية، في نبذ خطابات القبلية والجهوية.

ثــقافة المــشاركــة: تحويل الصراع إلى حوار ومشاركة، حيث تتضافر جهود كافة المكونات في عملية البناء والنهوض.

هذه الحالة من الاستقرار المستدام في دارفور، وهو قلب الصراعات التاريخية، هي الدليل العملي الأبرز على أن “حكومة التأسيس” تعمل بـــــ الفعل لا بالقول، وتؤسس لحقيقة أن الحكم اللامركزي الفدرالي هو مفتاح الحل الجزري للسودان المتنوع القيم والعادات والثقافات والحضارات المختلفة .

المـــحور الثـــالــث: قادة المهمشين ورهان المواطنة الجامعة

لا يمكن قراءة هذا المشهد بعمق دون الإشارة إلى الدور المحوري والنوعي الذي يلعبه الرجل المؤسس وقائد المهمشين، المشير محمد حمدان دقلو، ونائبه عبدالعزيز آدم الحلو. يمثل وجود هذه القيادات الثورية، التي خاضت معارك التهميش، في صلب عملية التأسيس، دليلاً قاطعاً على التحول من دولة الإقصاء إلى دولة المواطنة والمساواة.

لقد تحول هدفهما، المعلن والعملي، من مجرد الدفاع عن حقوق المهمشين إلى بناء دولة مؤسسات حقيقية تقوم على دعائم راسخة من العدالة والتنمية المستدامة. إن شراكة القوى التي مثلت ذات يوم معارضة مسلحة، في صلب بناء الدولة، هو كسر لشوكة الدكتاتورية وتجسيد لمبدأ الشراكة الكاملة في الحكم وتوزيع الموارد والخدمات ( التعليمية والصحية وكافة الخدمات ) دون تمييز، لكل مكونات المجتمع. هذا هو المعنى الحقيقي لبناء دولة مدنية ديمقراطية فدرالية، حيث تتساوى الحقوق والواجبات أمام قانون السيادة القومية.

المحور الرابع: كسر القيود الدولية وشهادة الاعتراف الخارجي

إن عملية التأسيس الداخلي العميق لها انعكاسات حتمية على الصعيد الدولي. لقد عانى السودان طويلاً من لعنة الحكم العسكري الدكتاتوري القمعي منذ الاستقلال، وهي اللعنة التي أبقته حبيس قائمة الدول الراعية للإرهاب لعقود، وحرمته من الدعم الدولي والإقليمي الحيوي.

اليوم، ومع الخطوات الثابتة نحو إنهاء الحكم الدكتاتوري وتأسيس حكم مدني ديمقراطي قائم على العدالة والمساواة وتوزيع الموارد، باتت المرحلة المقبلة هي مرحلة إعلان الاعتراف الخارجي الكامل والمستحق. فالعالم الذي ظل يرفض الاعتراف بالحكم العسكري، ينتظر بفارغ الصبر أن يرى تتويج عملية التأسيس هذه، ليرفع القيود ويفتح أبواب الاستثمار والشراكة. إن هذا الاعتراف لن يكون مجرد منحة، بل هو تتويج لاستقامة الإرادة الوطنية التي قررت أن تخرج من العزلة الأيديولوجية إلى رحاب الشرعية الديمقراطية الدولية.

الإيــمان والعزيمــة فــي محــك التــــاريخ

إن مــا تقوم به “حكومــة التأسيس” اليوم ليس مجرد إدارة انتقال، بل هو صياغة عقد اجتماعي جديد للسودان، يعكس الإيمان العميق والعزيمة الصلبة لقياداته. إن هذا الهدوء في العمل والتناغم في الفعل، رغم عواصف التحديات، هو رسالة قوية للمجتمع الدولي والإقليمي بأن السودان قد قطع شوطاً لا رجعة فيه نحو بناء دولة حقيقية، دولة مستقيمة

المؤسسات، عادلة التوزيع، ومتحررة من قيود الدكتاتورية.

الرهان اليوم هو على استدامة هذا الإيمان، لتحقيق الانتقال الكامل إلى دولة المواطنة والمساواة، حيث يجد كل سوداني مكانه في ظل هيبة الدولة القومية، التي لم تعد شعاراً، بل واقعاً معيشاً مبنياً على العمل الصامت والمنجزات المدوية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.