فــوق حـطام الأدلجــة: الســودان صرخة السيادة في وجه ”ميراث التمكين”
أ/سليــم محـمــد عبـداللــه
الريح الصفراء وعزلة الدولة الجريحة
يقف السودان، اليوم، كشاهد أليم على عواقب خروج الدولة عن فلكها القومي. فما حدث خلال العقود الأخيرة لم يكن مجرد تعثر في مسيرة التنمية، بل كان عملية تفكيك هندسية مارستها الأيديولوجيا حينما استولت على زمام السيادة. تحت مظلة حكم الإسلام السياسي (الـــكيزان)، جُـرت الدولة السودانية إلى “‘ أتــون الــعزلة ‘” الإقليمية والدولية، معلنة قطيعة مريرة مع محيطها، ومستبدلة جسور الشراكة بـــــ” صناعة الخصومات ” مع دول الجوار.
لقد تآكل الأمن القومي، الذي هو عصمة الدولة، حتى فقد صفته القومية، ليتحول إلى مجرد ورقة مساومة في أيدي القوى المهيمنة، سواء كانت داخلية مؤدلجة أو إقليمية متربصة. عاش السودان، الذي كان يوماً ركيزة إفريقيا والعالم العربي، تحت وطأة هذه السياسات التدميرية، ليصبح في نظر الخارج جسداً مثقلاً بـــــ”ميراث الاستعمار الثلاثي “، الذي لم تستطع النخب المتعاقبة، حتى اللحظة، أن تتحرر من قيوده النفسية والسياسية.
هذه المقدمات لم تكن مجرد حوادث عابرة؛ بل كانت بنية تحتية منهجية أُعدت بعناية فائقة لتسهيل “التــــمكين” الكامل، حتى إذا ما سقط التنظيم سياسياً، بقي جسده العسكري والأمني المأدلج قادراً على إشعال النار تحت الرماد، لتحقيق الشعار البائس: “إما أن نحكم، أو لا يكون للسودان بقاء”.
تــشريح العــبث الممـــنهج من النهــب إلــى تفـــتيت الهــوية
إنّ الأزمة الجوهرية التي أضرت بالسودان بعد الاستقلال، وتفاقمت في عهد الإنقاذ، هي الغياب الكلي للرؤية القومية الجامعة. لم تُوضع أسس حقيقية للعدالة والمواطنة المتساوية، مما جعل الدولة فريسة سهلة لسياسات الهيمنة التي لم تكتفِ بالنهب المالي، بل وصلت إلى نهب الهوية الوطنية.
لقد تحولت الثروات الوطنية، من نفط ومعادن وأراضٍ زراعية خصبة، إلى “”غنيمة”” حصرية لفئة مؤدلجة، تتنقل عبر قنوات الفساد المعقدة، تاركة غالبية الشعب في قاع الفقر. هذا النهب لم يكن عشوائياً، بل كان جزءاً من استراتيجية لإخضاع المجتمع.
إشــعال بــؤر النــزاع: تم استغلال ورقة القبيلة والجهوية ببراعة شيطانية كأدوات لتقسيم الشعب، وبث “الفتنة الناعمة” في النسيج الاجتماعي، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات دموية على “الأرض المحروقة”، خاصة في دارفور وكردفان بعد جرح انفصال الجنوب الغائر.
التهمــيش كـــــ “” عقيدة “”: كان التهميش الممنهج للمناطق والمجموعات بمثابة سياسة رسمية، أجبرت المتضررين على حمل السلاح، مولدة الحركات المسلحة التي هي في جوهرها رد فعل على إقصاء سياسي واقتصادي استمر لعقود.
حتى الساحة السياسية المدنية لم تسلم من عبث التفكيك، حيث عُمل على إغراق المعارضة في بحر من الانقسام، نتج عنه ما يزيد عن مائتي حزب، وهي حالة من “الشظايا السياسية” التي تضمن عدم قدرتها على تشكيل بديل موحد وفعال.
الجــريــمة العظـــمى “أدلجـــة السيـــف” وتحويل الحماية إلى حراســة
تعد عملية تأدلج المؤسسة العسكرية والأمنية هي نقطة التحول الأكثر خطورة. ففي ظل حكم الإنقاذ، تم سحب الجيش من وظيفته القومية النبيلة، وهي حماية الوطن وهيبته، ليصبح “حارساً أمــيناً” على مصالح التنظيم وأيديولوجيته الضيقة.
لقد خضعت المؤسسة لعملية “تفريغ مهني” ممنهجة، وتم استبدال الكفاءة بالولاء الحزبي العقائدي في التعيينات والترقيات. هذا التحول أدى إلى:
فقــدان الهيــبة المهـــــنية::: تحولت المؤسسة، التي كان يفترض أن تكون فوق الصراعات، إلى أداة سياسية بامتياز، فقدت معها هيبتها العسكرية العميقة، وأصبحت كياناً مأدلجاً يخدم أجندة حزبية.
خلــق الأذرع القـــتالية المــــوازيــة::: لضمان السيطرة المطلقة، تم إنشاء وتفعيل مليشيات عقائدية تعمل بالوكالة، مثل الدفاع الشعبي، والأمن الطلابي، والمجاهدين، والدبابيين. هذه الكيانات الفوضوية مثلت “الترهل الأمني” الأخطر، حيث ضخت دماء الأدلجة في شريان الدولة، وجعلتها مهيأة للانهيار الداخلي.
هذا المسار أخرج المؤسسة من مسارها الدستوري إلى مسار “الحماية الحزبية”، محولاً سلاح الوطن إلى سلاح التنظيم.
المحور الثالث: انفجار الميراث.. حرب 15 أبريل بين الحكم والدمار
كانت ثورة ديسمبر2019 بمثابة الصاعق الذي أسقط الواجهة السياسية لنظام الإنقاذ، لكنه لم ينجح في اجتثاث جسده الأمني والعقائدي. وعليه، ظل هذا التيار متمركزاً ومتخفياً في مفاصل الدولة العميقة، ينتظر اللحظة المناسبة لاستعادة ما اعتبره “حقه الإلهي” في الحكم.
إن تحليل حرب 15 أبريل 2023 يضعها في سياقها الأيديولوجي الصحيح: لقد كانت “الخطة البديلة” للتنظيم المخلوع. فعندما أدرك الإسلاميون أن مسار التحول المدني سيؤدي حتمًا إلى تفكيك نفوذهم ومحاسبتهم على نهب الدولة وتدميرها، قرروا استخدام ما زرعوه من تفكيك عسكري مأدلج لإشعال حرب الفوضى.
هـدف الحــرب ::: ليس الصراع على السلطة فحسب، بل إجهاض التحول الديمقراطي بالكامل، وإبقاء الدولة رهينة العنف، لضمان بقاء نفوذهم تحت غطاء “إدارة الصراع”.
النتيــجة المأســـاوية::: تحويل ملايين السودانيين إلى صفحة نازحين ولاجئين، ليصبحوا شهوداً على تنفيذ الشعار الأيديولوجي القائل: “إن لم نحكم، فلتكن الأرض المحروقة”.
نـحو دولــة الســـيادة القومـــية
إن الأوضاع الكارثية الراهنة هي الفاتورة النهائية لـــــ ” دولة التمكين “. لم يعد أمام السودان رفاهية الحياد أو التأجيل. فالخروج من هذا النفق المظلم يتطلب جراحة تاريخية
تستهدف اجتثاث الأدلجة من جذورها، وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية قومية لا تقبل القسمة على الولاءات الحزبية أو القبلية.
المعركة الحقيقية التي يجب أن تخوضها النخبة الوطنية هي معركة “إعادة الروح القومية” إلى المؤسسات، وبناء جيش مهني بعقيدة عسكرية خالصة، واستعادة زمام المبادرة في الساحة الإقليمية والدولية. فالسودان، بتاريخه وموارده وشعبه الصابر، يستحق أن يكون صانع قراره لا ضحية صراعاته، وأن ينهض من رماد الحرب ليثبت للعالم أن إرادة الدولة أقوى وأبقى من أي مشروع أيديولوجي زائل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.