أثار الأمر الطارئ رقم (6) لسنة 2025م، الصادر عن والي الولاية الشمالية المكلف، الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد إبراهيم، موجة من القلق والاستياء العميقين في أوساط التجار والمواطنين في ولايات كردفان ودارفور، خاصة في المناطق التي تعتمد على الولاية الشمالية كشريان إمداد رئيسي. ويقضي القرار، الذي صدر في 25 نوفمبر 2025، بـ “الحظر والمنع البات لنقل السلع والبضائع والأشياء من الولاية الشمالية لمناطق تواجد قوات الدعم السريع المتمردة بولايات كردفان ودارفور وغرب الولاية الشمالية”، بسحب ماجاء في التقرير متوعداً المخالفين بعقوبات قاسية تشمل السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامة لا تقل عن 10 ملايين جنيه، ومصادرة السلع ووسيلة النقل.

القرار يهدف ظاهرياً إلى تجفيف منابع إمداد قوات الدعم السريع، ليضع المدنيين في تلك المناطق تحت ضغط إنساني واقتصادي غير مسبوق..
ويأتي هذا القرار، الذي يهدف ظاهرياً إلى تجفيف منابع إمداد قوات الدعم السريع، ليضع المدنيين في تلك المناطق تحت ضغط إنساني واقتصادي غير مسبوق. ففي ظل توقف حركة الطيران التجاري، وتدهور الطرق البرية الأخرى، أصبحت الولاية الشمالية، بحكم موقعها، المعبر شبه الوحيد لدخول المواد الغذائية والتموينية الأساسية إلى مناطق واسعة في غرب ووسط السودان.
مغامرة إنسانية تتحول إلى جريمة
شهادة تاجر وثقها عبر صفحته بفيس بوك وهو نازح من مدينة مدني إلى قريته جنوب مدينة غبيش بغرب كردفان ، حيث اوضح حجم المعاناة والمخاطر التي يتكبدها التجار لتوفير لقمة العيش للمواطنين. يصف التاجر، الذي فضل حجب اسمه، رحلته بأنها “ركوب للخطر” في ظل الحرب، حيث أصبحت اللواري “البقرة الحلوب التي يرضع منها الكل”، في إشارة إلى الابتزاز والمخاطر الأمنية من كافة الأطراف.
ويؤكد التاجر أن الدافع وراء هذه التجارة المحفوفة بالمخاطر لم يكن مجرد الربح، بل كان استجابة لـ “ندرة وشح في المواد الغذائية وصعوبة إيصالها”، مشيراً إلى أنهم كانوا يواجهون اتهامات متبادلة من النظاميين تارة بأنهم يدعمون الدعم السريع، ومن الدعم السريع تارة أخرى بأنهم “فلول” ويدعمون الجيش، مما اضطرهم إلى “الكذب والحلف على الطرفين” لتأمين عبورهم، وهو ما برره له شيوخ الدين بـ “الاضطرار لحماية الحق”.
تاجر: القرار الجديد “قرار متهور وطائش”، يتجاهل حقيقة أن المواطنين في كردفان ودارفور هم ضحايا لـ “الأمر الواقع” الذي خضعت له مدن وولايات أخرى في فترات سابقة
ويرى التاجر أن القرار الجديد هو “قرار متهور وطائش”، يتجاهل حقيقة أن المواطنين في كردفان ودارفور هم ضحايا لـ “الأمر الواقع” الذي خضعت له مدن وولايات أخرى في فترات سابقة. ويتساءل: “هل المواطن المسكين البسيط الذي لا يعرف من هو الرئيس ولا الوزير… في نظر حكومتك الموقرة هو متمرد يحاصر في زرعه وقطيته؟”.
بوابة غرب كردفان تحت الحصار
تكتسب هذه الشهادات أهمية مضاعفة عند النظر إلى الموقع الاستراتيجي لمدينتي غبيش والمزروب في غرب كردفان. فكما أشار أحد التجار من غبيش، والذي طلب عدم الكشف عن هويته، فإن المنطقتين تمثلان “البوابة الحقيقية لغرب كردفان”. وأوضح أن أي قرار يمس حركة الإمداد عبر هذا المحور لا يقتصر تأثيره على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليصبح “تأطيراً للانفصال الاجتماعي والسياسي”.
وأضاف تاجر آخر من منطقة المزروب، مفضلاً أيضاً عدم ذكر اسمه، أن حرمان المواطن الأصيل من حقه في التنقل والوصول إلى احتياجاته الأساسية يعد “انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان”. وأشار إلى أن مواطني غرب كردفان قد حرموا بفعل الحرب من حق التنقل أولاً، والآن يحرمون من بقية حقوقهم الأساسية بفعل القرارات الإدارية.
ويؤكد المحللون أن هذا القرار، وإن كان مدفوعاً بضرورات عسكرية، فإنه يحمل في طياته مخاطر تفاقم الأزمة الإنسانية وتعميق الشرخ بين المركز والأطراف. فبدلاً من أن يكون المواطن في مناطق النزاع حليفاً للدولة في محنتها، يصبح ضحية مزدوجة للحرب ولسياسات الإمداد.
إن المناشدة التي أطلقها التاجر في ختام شهادته لهرم الدولة لمراجعة وإلغاء هذا القرار الجائر، والسماح بخروج المواد التموينية دون قيود، هي في جوهرها نداء لإنقاذ حياة ملايين المدنيين الذين يواجهون شبح الجوع والمرض، وتأكيد على أن التجارة المشروعة التي أساسها “أكل وشرب وملبس” لا يجب أن تعامل معاملة “الأسلحة والعتاد الحربي”. إن استمرار هذا الحظر قد يحول الأزمة العسكرية إلى كارثة إنسانية لا يمكن تداركها، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.