القاعدة الروسية على البحر الأحمر.. خطوة تكتيكية أم بوابة لاشتباك جيوسياسي واسع؟

تقرير: عين الحقيقة

أثارت تسريبات عن اتفاق بين حكومة بورتسودان والحكومة الروسية على إنشاء قاعدة بحرية لمدة 25 عاماً جدلاً واسعاً في الساحة السودانية.

وتقود هذه التسريبات المتداولة إلى جملة من التساؤلات حول طبيعة الاتفاق وأبعاده، وما إذا كان يمثل خطوة تكتيكية تفرضها تعقيدات المرحلة الراهنة، أم أنه يشكل انزلاقاً جديداً نحو صراع متعدد الأطراف على ساحل البحر الأحمر، الذي بات يشهد حضوراً دولياً متزايداً.

وكشف تقرير حصري لصحيفة وول ستريت جورنال أن الحكومة السودانية عرضت على روسيا إنشاء أول قاعدة بحرية لها في القارة الأفريقية، في خطوة قد تغيّر ميزان النفوذ في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سودانيين أن العرض يشمل اتفاقاً يمتد 25 عاماً، يتيح لموسكو نشر ما يصل إلى 300 جندي وأربع سفن حربية، من بينها سفن تعمل بالطاقة النووية، في بورتسودان أو في منشأة بحرية أخرى على البحر الأحمر.

ويأتي اتفاق «بورتسودان- موسكو» في لحظة فارقة تشهد فيها المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة وتنافساً دولياً متسارع الوتيرة على الممرات البحرية ومصادر النفوذ الاستراتيجي.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل 2023 بين القوات المسلحة والأطراف المتحالفة معها من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، فُتح الباب نحو صراع إقليمي مفتوح بعد أن وفّرت دول عدة دعماً عسكرياً للأطراف المتقاتلة.

وفي ضوء هذه التطورات، قال مسؤول في الإدارة الأميركية إن الولايات المتحدة «على علم بالتقارير التي تتحدث عن اتفاق بين روسيا والقوات المسلحة السودانية بشأن إنشاء منشأة بحرية روسية على الساحل السوداني.

وأضاف: نشجع جميع الدول، بما في ذلك السودان، على تجنّب أي تعاملات مع قطاع الدفاع الروسي، لما قد يترتب على ذلك من عواقب خطيرة، بما في ذلك احتمال فرض عقوبات على الكيانات أو الأفراد المرتبطين بتلك التعاملات.

وحذر المسؤول الأميركي قادة السودان من أن «المضي في إنشاء مثل هذه المنشأة، أو أي شكل آخر من أشكال التعاون الأمني مع روسيا، سيؤدي إلى زيادة عزلة السودان، وتعميق الصراع الحالي، وتعريض المنطقة لمزيد من عدم الاستقرار».

وفي سياق التحذير الأميركي بشأن القاعدة الروسية في بورتسودان، قال خبير أمني، في إفادة خاصة لـ«عين الحقيقة»، إن هذه الخطوة تعكس حجم القلق الاستراتيجي الذي باتت تمثّله التحركات الروسية في البحر الأحمر، مشيراً إلى أن واشنطن تنظر إلى أي وجود عسكري روسي دائم في هذا الممر الحيوي بوصفه تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية ومصالحها وحلفائها.

وأوضح الخبير أن الولايات المتحدة لا تتحرك بدوافع رمزية، بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بمنع تمدد خصومها، وفي مقدمتهم روسيا، إلى نقاط الخنق البحرية، لافتاً إلى أن بورتسودان تمثل عقدة لوجستية حساسة قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم إذا ما تحولت إلى قاعدة روسية.

وأضاف أن السودان، في وضعه الحالي، يعيش حالة هشاشة سياسية وأمنية شديدة، وأي انخراط في ترتيبات عسكرية دولية كبرى من هذا النوع «قد يدفع به إلى مربع الاستقطاب الدولي الحاد»، ما يهدد بفرض عقوبات جديدة تزيد عزلة البلاد وتفاقم أزمتها الاقتصادية.

وأشار الخبير إلى أن إعلان دونالد ترمب التدخل لإنهاء الحرب بطلب من محمد بن سلمان يندرج ضمن مسعى أميركي أوسع لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي، ومنع أي فراغ قد تستثمره موسكو. واعتبر أن أي اتفاق عسكري سوداني-روسي، في هذا التوقيت، سيُفهم غربياً كخطوة تصعيدية قد تؤدي إلى تدويل الصراع أكثر مما هو عليه.

واستطرد قائلا: إن مصلحة السودان الحقيقية تكمن في تحييد أراضيه عن صراعات المحاور الدولية، والتركيز على إنهاء الحرب، وبناء سلطة مدنية قادرة على إدارة علاقاته الخارجية وفق ميزان المصالح، لا وفق ضغوط السلاح.

وبين سعي موسكو لتعزيز حضورها البحري العالمي، وحرص الولايات المتحدة على منع خصومها من التمركز في الممرات الاستراتيجية، يبدو بورتسودان مهدداً بالتحول إلى ساحة صراع بالوكالة، تُدار فيها الحسابات الدولية على حساب استقراره وأمنه الهش.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمضي حكومة بورتسودان في خيار التحالفات العسكرية محفوفة المخاطر، أم تنجح في تحييد البلاد عن صراع المحاور وفتح طريق جاد نحو السلام وبناء الدولة؟ وحده مسار الأحداث سيحدد ما إذا كانت القاعدة الروسية خطوة تكتيكية عابرة، أم بداية لاشتباك جيوسياسي واسع تتدحرج تداعياته على كامل الإقليم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.