شهدت منطقة أديكونق الواقعة غربي مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، قبالة الحدود التشادية، هجومًا شنّته مسيرات تتبع للجيش السوداني، حيث أُطلقت صاروخان وسط تجمع المواطنين في يوم السوق الأسبوعي بعد أن حلقت الطائرات لفترة طويلة.
في صباح اليوم التالي للقصف، بدت منطقة أديكونق وكأنها تحاول استيعاب حجم الفاجعة التي مرت بها. بين آثار الحريق والأكوام السوداء التي كانت قبل ساعات محالّ تجارية نابضة بالحياة، يتحرك الأهالي بحذر، يبحثون بين الرماد عن أي أثر يقودهم إلى ذويهم أو يجيب عن الأسئلة التي تملأ وجوههم الحائرة.
لم يعد بالإمكان التمييز بين السودانيين والتشاديين هنا؛ الجميع في حالة حداد، يتشاركون الخسارة ذاتها، ويتنقلون بين المواقع المتضررة في محاولات متواصلة للعثور على المفقودين أو لاستعادة جزء من ممتلكاتهم التي التهمتها النيران.
كانت المنطقة، التي شُيّدت محالها من المواد المحلية البسيطة، تبدو قبل الحادث مركزًا تجاريًا صغيرًا لكنه حيوي. فأديكونق، وهي جزء من وحدة أسنقا التابعة لمحلية الجنينة، تُعرف بأنها “الميناء البري” للمنطقة، لكونها نقطة استقبال وتصدير للسلع القادمة من دول الجوار. وتضم مدرسة أساسية واحدة، وثلاثة مساجد، ومحطة مياه، ومركزًا صحيًا محدود الإمكانات.
تقع أديكونق في الجانب الشرقي لوادي أسنقا، في منطقة يختلط فيها السودانيون والتشاديون في الملامح واللهجات واللبس، ويتعاملون تجاريًا بالجنيه السوداني والفرنك التشادي. وقد ترك القصف أثرًا عميقًا في هذا المجتمع المتداخل اجتماعيًا وتجارياً.
وأكد رئيس الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور، تجاني الطاهر كرشوم، الذي زار المنطقة ووقف على حجم الأضرار، أن الهجوم الذي نفذته مسيرات عسكرية تركية الصنع تتبع للجيش الحركة الإسلامية، والذي استهدف السوق، كان “ممنهجًا ضد المدنيين وممتلكاتهم”، مشيرًا إلى أن القصف أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 10 مواطنين من دولة تشاد و8 سودانيين.
وقال كرشوم إن من بين الضحايا نساء وكبار سن كانوا يمارسون نشاطهم التجاري المعتاد. وأضاف أن المنطقة تُعد ممراً للقوافل الإنسانية القادمة من تشاد، وأن استهدافها “يمثل استهدافًا للعمل الإنساني نفسه”.
وذكر كرشوم أن عدداً من الجثث لم يتم التعرف عليها بعد بسبب الحريق الذي أعقب الانفجار، فيما لا يزال آخرون في عداد المفقودين. وأوضح أن لجنة خاصة بدأت حصر الخسائر ووضع التدابير اللازمة لتأمين السوق وحماية ممتلكات المواطنين.
من جانبه، قال رئيس المجلس التأسيسي بولاية غرب دارفور، عبدالباقي علي حسين، إنه وقف على موقع الحادث وعاين الدمار الواسع، مؤكدًا أن الموقع المستهدف منطقة تجارية بالكامل ولا توجد به أي منشآت حكومية.
وأوضح أن الفرق الميدانية رصدت أعدادًا من الضحايا، وأن الأبنية المتضررة كانت مشيدة من مواد محلية بسيطة، نافياً وجود أي مخزن أو مقر يتبع لقوات الدعم السريع في المنطقة.
وأشار عبدالباقي إلى أن الهجوم “يهدف إلى تعطيل الحركة التجارية ومنع وصول السلع الأساسية إلى ولايات دارفور وكردفان، بما ينعكس على حياة المواطنين واحتياجاتهم”. كما دعا المجتمع الدولي إلى الانتباه لهذا النوع من الهجمات التي تستهدف المعابر التي تصل عبرها المساعدات الإنسانية إلى الإقليم.
من جانبه، قال مدير وحدة أسنقا، بدر الدين داؤد، إن الإحصاءات الأولية تشير إلى مقتل 18 شخصًا بينهم 10 تشاديين، إضافة إلى خسائر مادية كبيرة.
وأوضح أن فرق البحث تعمل وسط آثار المحال المحترقة للعثور على المفقودين، في ظل تواصل البلاغات من الأهالي. وأضاف أن أصحاب الإصابات الحرجة نُقلوا إلى المستشفيات داخل تشاد، بينما يتلقى المصابون الآخرون العلاج في مستشفى أديكونق.
وأشار إلى تدمير عدد من المركبات، بينها سيارات كانت تحمل مواد غذائية، وإحدى شاحنات الإغاثة التي فُقد سائقها في الهجوم.
بين بقايا الهياكل المتفحمة للمحال التجارية، وصدى صرخات تبادل السؤال عن المفقودين، تظهر أديكونق اليوم وجهها الآخر؛ وجه منطقة حدودية اعتادت الحركة والنشاط، لكنها استيقظت على صدمة غير مسبوقة. ومع استمرار التحقيقات ومساعي حصر الخسائر، يبقى الأهالي في حالة ترقّب، يواجهون واقعًا مريرًا تركته طائرة مسيّرة في دقائق معدودة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.