بعد أيام من ختام أعمال المؤتمر الإنساني الدولي بشأن السودان، بمشاركة “الآلية الرباعية” ودول أخرى، عبّر خبراء ومحللون سياسيون عن مخاوفهم بشأن فرص نجاح المبادرة على المدى القصير، خاصة في ظل محاولات الإسلاميين منع أي اتفاق سلام يبعدهم عن المشهد ويستعيد مسار الانتقال الديمقراطي.
ورغم الترحيب ببنود الخطة التي تتضمن وقفًا لإطلاق النار وعملية سياسية انتقالية، فإن عقبات “انعدام الثقة” بين الأطراف المتحاربة والوسطاء، إلى جانب ضعف التمويل الإنساني، تظل حجر عثرة أمام إنهاء النزاع الدامي في السودان.
ويؤكد مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، تصاعد الجهود الدولية لفرض هدنة إنسانية في السودان، تمهيدًا لانتقال مدني شامل، وسط تحركات أمريكية وأممية مكثفة.
وخلال المؤتمر الإنساني الأخير في واشنطن، كشف بولس عن توصل الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات) إلى نص مكتمل لخطة سلام شاملة بعد ثلاثة أشهر من العمل.
وأكد أن الخطة ستُرفع إلى مجلس الأمن الدولي للحصول على زخم أممي، وتتضمن مسارًا متدرجًا يبدأ بإجراءات إنسانية لحماية المدنيين ووقف دائم لإطلاق النار، وصولًا إلى عملية سياسية تفضي إلى حكومة بقيادة مدنية.
وأعلن المسؤول الأمريكي عن اتفاق مبدئي مع الأطراف المتحاربة لتدشين “آلية أممية” تضمن انسحاب المقاتلين من بعض المدن لفتح ممرات آمنة للمساعدات، مع السعي لجمع مبلغ 1.5 مليار دولار للاستجابة الإنسانية.
ويرى البروفيسور حسن بشير محمد نور، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، أن فرص نجاح الرباعية “محدودة جدًا” في الوقت الراهن، ويعزو ذلك إلى “انعدام الثقة” في بعض أعضاء الرباعية، خاصة مصر والسعودية، باعتبارهما داعمتين للجيش، ما يولد تحفظات لدى أطراف الصراع تجاه الوسطاء.
ويشير إلى أن العقبات لا تقف عند حدود الثقة، بل تمتد إلى رغبة الأطراف في الحسم العسكري لتغيير موازين القوى، فضلًا عن ضعف التوافق الدولي والإقليمي.
كما لفت إلى أن الملف السوداني لا يمثل أولوية قصوى للإدارة الأمريكية مقارنة بملفات أوكرانيا وغزة والصين، رغم الاهتمام السياسي المعلن. ومع ذلك، اعتبر أن المبادرة “واقعية من الناحية الهيكلية” لتركيزها على التدرج من الهدنة إلى الحل السياسي.
أما على الصعيد الإنساني، فقد انتقد خبراء حجم التمويل المعلن، إذ يرون أن مبلغ 1.5 مليار دولار “لا يفي بالاحتياجات العاجلة”، مشيرين إلى أن التقديرات الدولية تتطلب ما لا يقل عن 6 مليارات دولار.
كما يحذر خبراء من “مخاطر عدم الشفافية”، مؤكدين أن أي مسار إنساني يعزل القوى المدنية وقوى الثورة والمجتمعات المحلية والمستفيدين سيكون “ناقصًا ومحفوفًا بالمخاطر وقابلًا للانهيار”.
في ظل هذه التعقيدات، تبدو مبادرة الرباعية محاولة جادة لكسر جمود الأزمة، لكنها تصطدم بواقع سياسي وأمني شديد الهشاشة، تحكمه حسابات الحرب وانعدام الثقة وتدخلات القوى المتربصة بالمسار المدني.
وبين نقص التمويل الإنساني وتباين مواقف الأطراف، يظل نجاح المبادرة مرهونًا بمدى قدرتها على تحقيق وقف فعلي لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية شاملة تعيد المدنيين إلى واجهة المشهد وتضع حدًا لمعاناة السودانيين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.