يثير التقارب المتسارع بين مصر وتركيا، بعد سنوات من التوتر السياسي، تساؤلات في الأوساط السودانية والإقليمية بشأن انعكاساته المحتملة على مسار الحرب في السودان، في ظل تقاطع المصالح الأمنية والاستراتيجية للبلدين في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويرى محلل سياسي فضل حجب اسمه لـ»عين الحقيقة» أن الخطاب الرسمي في القاهرة وأنقرة يركز على ملفات التعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي، غير أن هذا التقارب يتزامن مع تحولات عسكرية وسياسية داخل السودان، ما يفتح الباب أمام تفسيرات تتعلق بطبيعة الأدوار التي قد تلعبها القوتان الإقليميتان في الصراع الدائر.
إلى ذلك، شهدت السنوات الأخيرة توسعاً في حضور الصناعات الدفاعية التركية في عدد من مناطق النزاع، عبر تصدير الطائرات المسيّرة التي أثبتت فاعليتها في ميادين مختلفة.
ويرى مراقبون أن دخول هذه التقنيات إلى ساحات الصراع الإقليمي يغيّر موازين القوى، لكنه قد يسهم أيضاً في إطالة أمد النزاعات إذا لم يقترن بمسار سياسي واضح.
ويشير خبراء إلى أن صفقات السلاح في مناطق النزاع غالباً ما ترتبط بترتيبات سياسية واقتصادية أوسع، ما يمنح الدول المصدّرة نفوذاً إضافياً في الدول المتلقية، خاصة في حالات الضعف المؤسسي أو الانقسام الداخلي.
وفي الواقع، تنظر القاهرة إلى الملف السوداني من زاوية أمنية مباشرة، ترتبط بحماية حدودها الجنوبية وملف مياه النيل، إضافة إلى مخاوف من تداعيات أي فراغ أمني أو سياسي على استقرارها الداخلي.
وتشير تقارير إلى أن مصر تحافظ على حضور عسكري وأمني في مناطق قريبة من الحدود السودانية، في إطار ما تصفه بمقاربة وقائية تهدف إلى حماية مصالحها الاستراتيجية ومنع تمدد تهديدات محتملة من الجنوب.
ويرى محللون أن التقارب بين القاهرة وأنقرة لا يعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في المواقف تجاه السودان، لكنه يعكس إدراكاً مشتركاً لأهمية هذا البلد في معادلة التوازن الإقليمي، خاصة في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر، وطرق التجارة، والموارد الطبيعية.
ففي حين تركز مصر على ضمان الاستقرار الحدودي وحماية مصالحها المائية، تسعى تركيا إلى توسيع حضورها الاقتصادي والعسكري في المنطقة، بما يشمل أسواق السلاح ومشروعات البنية التحتية وإعادة الإعمار.
ويحذر محللون من أن تعدد الأجندات الإقليمية والدولية في السودان قد يساهم في تعقيد فرص التسوية، إذا لم تترافق هذه التحركات مع دعم حقيقي لمسار سياسي شامل يوقف الحرب ويعيد بناء مؤسسات الدولة.
ويؤكد مراقبون أن المدنيين يظلون الخاسر الأكبر في ظل استمرار القتال، بينما تتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في بلد يشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ويعكس التقارب المصري- التركي تحولات أوسع في توازنات المنطقة، لكنه يضع السودان في قلب حسابات إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية، بينما يبقى مستقبل البلاد رهيناً بقدرة السودانيين على فرض مسار سياسي وطني مستقل ينهي الحرب ويعيد بناء الدولة على أسس توافقية تضمن الاستقرار والسلام الدائم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.