عندما اشتعلت الحرب في السودان في 15 أبريل، كانت الاتهامات تشير إلى عناصر الحركة الإسلامية، وأنهم وراء إشعالها، تدفعهم دوافع عديدة، أولها الرغبة في العودة إلى السلطة التي فقدوها بثورة شعبية أطاحت برأس النظام وقتها عمر البشير في عام 2019م.
يستمر التاريخ الدموي للحركة الإسلامية بأحداث عديدة قُتل فيها السودانيون والسودانيات، وأُجبروا على الهجرة ومغادرة البلاد..
عندما استولت الحركة الإسلامية على السلطة في 30 يونيو 1989م، شرعت في سنواتها الأولى بما عُرف بـ”سنوات التمكين»، وهي الفترة التي امتدت من أول أيام الانقلاب حتى عام 1992. شهدت هذه السنوات اعتقالات وتعذيباً وحشياً واغتيالات، أبرزها إعدام جرجس يسطس بتهمة حيازة نقد أجنبي ومحاولة تهريبه خارج البلاد في فبراير 1990م.
وفي 21 أبريل 1990، تم “دق مسمار” في رأس الدكتور علي فضل أحمد على يد نافع علي نافع، مدير جهاز الأمن والمخابراتح وقتها. وكانت النقابات المهنية إحدى الجهات المستهدفة بالتمكين، حيث عملت الحركة الإسلامية عبر هذه الجرائم على تصفية كل الأشكال المقاومة للانقلاب.. هذه البداية الوحشية لما تُعرف بالحركة الإسلامية في حكم السودان تتطابق الآن مع ما يقومون به من اعتقال وتعذيب واغتيال لكل سوداني يعارض إيقاف الحرب.
تاريخ دموي متصل
يستمر التاريخ الدموي للحركة الإسلامية بأحداث عديدة قُتل فيها السودانيون والسودانيات، وأُجبروا على الهجرة ومغادرة البلاد. ولم يسلم حتى الأدباء والشعراء والمغنون الذين لم يعلنوا دعمهم للتوجه الجديد للدولة التي حملت فكر الإسلاميين، وعملت على إلغاء وإقصاء كل مخالف.
ولم تسلم المناهج التربوية أيضاً، فقد طالتها يد “التعريب” وإدخال المواد الدينية والجهادية وغيرها، وفق رؤية أيديولوجية ضيقة. في المقابل، بدأ مشروع آخر هو مشروع الحرب في الجنوب، لكنه سُمّي حينها بـ”الجهاد”، باعتباره نصرة للدين ضد السودانيين من جنوب السودان.
وتُعد حرب الجنوب إحدى أكثر المحطات دموية من حيث الانتهاكات التي مورست بحق السودانيين: شباب شماليون جرى التغرير بهم وإجبارهم على القتال، -وسودانيون من الجنوب مورست عليهم حرب الإبادة والتشريد وكل صنوف الإرهاب. وبإسم الخدمة الإلزامية، سُنّ قانون يُلزم كل شخص بالغ بالالتحاق بمعسكرات التدريب والدفع بهم إلى خطوط القتال.
مجزرة العيلفون.. شاهد آخر
فمن أكثر الأحداث مأساوية مجزرة معسكر العيلفون في 31 مارس 1998. فقد طلب المجندون من قادة المعسكر إجازة للاحتفال مع أسرهم بعيد الأضحى، لكن الإدارة رفضت واتهمتهم بالتمرد على القوانين العسكرية. حاول بعضهم الهرب بالقفز إلى النهر القريب من سور المعسكر، فغرق الكثير منهم، ونجا البعض الآخر. هذه الحادثة، وغيرها مما لم ينل حظه من التوثيق، تكشف الوجه الحقيقي للحركة الإسلامية المتعطشة لدماء السودانيين. وليست حرب الجنوب وحدها التي حصدت أرواحهم. بولاد وخليل.. مشهد آخر من تناقضات الإسلاميين
فقد قاد خليل إبراهيم، أمير إحدى كتائب الجهاد ولاحقاً مؤسس حركة العدل والمساواة، متحركاً للقضاء على داوود يحيى بولاد وإعدامه في يناير 1991م.
تحمل هذه الحادثة تناقضاً صارخاً؛ فبولاد وخليل كانا من رحم الحركة الإسلامية وساهما في وصولها للسلطة، لكن بولاد أحس بالتهميش والظلم فانضم للحركة الشعبية. أما خليل، الذي عانى من التهميش نفسه، فقد خرج لاحقاً وأسّس حركة العدل والمساواة، لتغتاله طائرات الجيش في ديسمبر 2012م.
الأمر الأكثر مرارة أن الحركة الإسلامية استخدمت خليل لقتل ابن إقليمه، وتعيد الآن السيناريو نفسه عبر شقيقه جبريل إبراهيم، الذي خلفه في قيادة الحركة، ويشارك في الحرب ضد أبناء إقليمه. ولا يختلف جبريل، فقد كان أيضاً من كوادر الحركة الإسلامية.
فكتب المحبوب عبد السلام، أحد أبناء التنظيم، في كتابه “الحركة الإسلامية.. دائرة الضوء وخيوط الظلام 2010» قائلا: شهدت الإنقاذ الأولى الموسومة بعقيدة العنف حادثةً هي الأولى من نوعها في تاريخ الحركة الإسلامية؛ أن تُنفّذ الحركة حكم الإعدام في أحد أبنائها.. فهذا أحد أفضل التوثيقات للحادثة من داخل البيت الإسلامي نفسه.
تحمل الحركة الإسلامية تاريخاً حافلاً بالأحداث المأساوية، وأتقنت قتل السودانيين وقمعهم. وما هذه إلا نماذج قليلة تتطابق اليوم مع أفعال الحركة الإسلامية المتحكمة في مفاصل وقرارات الدولة، والتي لا تحمل هماً سوى استمرار الحرب وإطالة أمدها، دون الاكتراث لمعاناة السودانيين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.