اقتصاد على حافة الهاوية.. السودان ينكمش 13.5% في 2024… حرب تلتهم الدولة وفقر يطارد 7 من كل 10 مواطنين
تقرير استقصائي: عين الحقيقة
في بلدٍ كان يحاول لملمة جراحه الاقتصادية، جاءت الحرب لتُسقط ما تبقى من توازن هش. أرقام البنك الدولي الأخيرة لم تترك مجالاً للمواربة: الاقتصاد السوداني انكمش بنسبة 13.5% خلال عام 2024، بعد تقلصٍ كارثي قُدِّر بنحو الثلث في 2023. وبين هذين العامين، لم يكن الانكماش رقماً مجرداً، بل حياةً يومية أكثر قسوة لملايين السودانيين.
الأخطر في تقرير البنك الدولي ليس فقط حجم الانكماش، بل التوقعات الاجتماعية المصاحبة له. إذ يُتوقع أن تصل نسبة الفقر المدقع إلى 71% من السكان..
من أزمة إلى انهيار شامل
قبل اندلاع النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع، كان الدولار الأمريكي يُتداول عند حدود 560 جنيهاً سودانياً. اليوم، لم يعد هذا الرقم سوى شاهدٍ على زمنٍ اقتصاديٍ مختلف. الحرب لم تُعطِّل الإنتاج فحسب، بل شلّت سلاسل الإمداد، وأغلقت المصانع، وأخرجت مساحات واسعة من النشاط الزراعي والتجاري عن الخدمة. يقول خبير اقتصادي تحدث لـ«عين الحقيقة» إن «ما يمر به السودان ليس ركوداً اقتصادياً تقليدياً، بل انهيار بنيوي تمسّ فيه الحرب كل مفاصل الدولة: الإيرادات، العملة، الخدمات، وحتى القدرة على التخطيط للمستقبل».
الفقر المدقع: 71% على حافة البقاء
الأخطر في تقرير البنك الدولي ليس فقط حجم الانكماش، بل التوقعات الاجتماعية المصاحبة له. إذ يُتوقع أن تصل نسبة الفقر المدقع إلى 71% من السكان، أي أن سبعة من كل عشرة سودانيين سيكافحون لتأمين الحد الأدنى من الغذاء والدواء. في الأسواق الشعبية، تحكي الأرقام قصتها الخاصة: تضخم جامح، أجور متآكلة، وعملة محلية فقدت قدرتها على حماية دخل المواطن. موظف حكومي في الخرطوم يقول: «راتبي يكفيني لأيام قليلة. نحن لا نعيش أزمة مؤقتة، بل نُستنزف ببطء».
الحرب حرمت الخزينة العامة من موارد حيوية، وعلى رأسها الضرائب والجمارك وعائدات الصادرات. كما أدى تدمير البنية التحتية ونزوح الملايين إلى تراجع حاد في الاستثمارات المحلية والأجنبية..
دولة بلا موارد… واقتصاد بلا أفق
الحرب حرمت الخزينة العامة من موارد حيوية، وعلى رأسها الضرائب والجمارك وعائدات الصادرات. كما أدى تدمير البنية التحتية ونزوح الملايين إلى تراجع حاد في الاستثمارات المحلية والأجنبية. ومع غياب الاستقرار الأمني، تبدو أي محاولات للإصلاح الاقتصادي أشبه بترميم منزلٍ يحترق. ويرى مراقبون أن استمرار النزاع يعني مزيداً من الانكماش، ومزيداً من الفقر، وربما فقدان الدولة لقدرتها الاقتصادية لسنوات طويلة، حتى بعد توقف القتال.
ما بعد الأرقام: أسئلة بلا إجابات
تكشف أرقام البنك الدولي حجم الكارثة، لكنها تفتح في الوقت ذاته أسئلة ملحّة: كيف يمكن إنقاذ اقتصادٍ ينكمش لعامين متتاليين بهذا العنف؟ ومن سيدفع كلفة إعادة الإعمار؟ وهل يملك السودان ترف الانتظار بينما يتسع الفقر وتضيق فرص النجاة؟ في ظل هذا المشهد، يبقى الاقتصاد السوداني رهينة المدافع، وتبقى حياة الملايين معلّقة بين أرقام التقارير، وواقعٍ يومي لا يعترف إلا بلغة البقاء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.