مع كل جولة تفاوض تُعقد لوقف الحرب في السودان، تتجدد الآمال—لكنها سرعان ما تتبدد. فبين طاولات الحوار في جدة والمنامة، والميدان المشتعل على الأرض، يظهر نمط متكرر: تقدّم بطيء يعقبه انتكاس مفاجئ. هذا التذبذب يطرح تساؤلات حول العوامل التي تعيق الوصول إلى تسوية، وحول الأدوار التي تلعبها مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية وخارجها.
شهدت مسارات التفاوض، سواء في جدة أو المنامة، لحظات تقارب بين الأطراف، شملت مناقشة ترتيبات إنسانية ووقف إطلاق نار مؤقت. غير أن هذه اللحظات غالبًا ما تُقابل بتصعيد ميداني مفاجئ..
بارقة أمل… ثم تعثّر سريع
شهدت مسارات التفاوض، سواء في جدة أو المنامة، لحظات تقارب بين الأطراف، شملت مناقشة ترتيبات إنسانية ووقف إطلاق نار مؤقت. غير أن هذه اللحظات غالبًا ما تُقابل بتصعيد ميداني مفاجئ، يعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر، ويقوّض الثقة الهشة بين المتفاوضين. ويرى مراقبون أن هذا النمط لا يمكن فصله عن تعقيدات الداخل، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع السياسية، وتبرز تباينات داخل مراكز القرار.
مراكز نفوذ داخل المؤسسة العسكرية
تشير تحليلات سياسية إلى وجود تيارات متعددة داخل المؤسسة العسكرية، لكل منها رؤيته الخاصة لمسار الحرب والسلام. وفي هذا السياق، يُثار جدل حول دور بعض الشبكات أو “مراكز النفوذ” التي يُعتقد أنها تضغط باتجاه استمرار العمليات العسكرية، أو على الأقل ترفض تقديم تنازلات في طاولة التفاوض. ويذهب بعض المحللين إلى أن هذه المراكز قد تستخدم أدوات مختلفة للتأثير، من بينها الدفع نحو التصعيد الميداني، أو التأثير في الخطاب الداخلي بما يعزز موقف التشدد.
الضغط السياسي والخطاب الداخلي
إلى جانب التحركات الميدانية، يلعب الخطاب السياسي والإعلامي دورًا مهمًا في تشكيل بيئة التفاوض. فالتشكيك في جدوى المفاوضات، أو تصويرها كتنازل غير مقبول، قد يخلق ضغوطًا إضافية على صناع القرار داخل المؤسسة العسكرية، ويجعل تبني خيار التهدئة أكثر كلفة سياسيًا. كما أن تصاعد لغة التخوين تجاه الداعين لوقف الحرب يعمّق الانقسام، ويحدّ من مساحة النقاش حول بدائل سلمية.
لا تقتصر عرقلة المفاوضات على عامل واحد، بل ترتبط بشبكة معقدة من المصالح، تشمل حسابات السلطة، والاعتبارات الأمنية، والمخاوف من المستقبل السياسي أو القانوني..
تعقيدات المصالح والحسابات
لا تقتصر عرقلة المفاوضات على عامل واحد، بل ترتبط بشبكة معقدة من المصالح، تشمل حسابات السلطة، والاعتبارات الأمنية، والمخاوف من المستقبل السياسي أو القانوني. هذه العوامل تجعل بعض الأطراف ترى في استمرار الحرب وسيلة للحفاظ على موقعها أو تحسين شروطها التفاوضية.
تأثير ذلك على المسار الإنساني
في ظل هذا الجمود، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. فكل تعثر في المفاوضات يعني استمرار النزوح، وتدهور الخدمات، وصعوبة إيصال المساعدات الإنسانية. وتشير منظمات دولية إلى أن أي تقدم في المسار الإنساني يظل هشًا ما لم يُدعَم بوقف فعلي ومستدام لإطلاق النار.
هل يمكن كسر الحلقة المفرغة؟
يبقى التحدي الأكبر أمام السودان هو كيفية تجاوز هذه الحلقة من الأمل والتعثر. فنجاح أي مسار تفاوضي يتطلب توافقًا حقيقيًا داخل مراكز القرار، وضمانات تقلل من تأثير الضغوط الداخلية، إلى جانب دعم إقليمي ودولي متماسك. وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل طاولات التفاوض مفتوحة… لكن نتائجها معلّقة على ما يجري خلف الكواليس.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.