في خضم الحرب الدائرة وتحت غطاء «المقاومة الشعبية»، يشهد البلاد عملية تعبئة واسعة تتجاوز في أبعادها الهدف المعلن المتمثل في الدفاع عن البلاد. فبينما ينخرط آلاف الشباب بدوافع وطنية مشروعة، تشير قراءات ميدانية ومعطيات تقديرية إلى أن الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول يوظفان هذا الاستنفار كأداة لإعادة بناء نفوذ سياسي وعسكري، تمهيدًا للعودة إلى المشهد وإجهاض أي مسار مدني ديمقراطي مستقبلي.
ملاحظة منهجية: يستند هذا التقرير إلى تقديرات ميدانية ومصادر بحثية وإعلامية متقاطعة، في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة بسبب ظروف الحرب والنزوح.
لعبة الأرقام… بين الحشد الجماهيري والنواة المؤدلجة
تعمد المنصات الإعلامية المرتبطة بتيار الإسلام السياسي إلى تضخيم أعداد المستنفرين، لتصوير المشهد باعتباره إجماعًا شعبيًا شاملًا، غير أن التدقيق يكشف عن مستويين مختلفين للتجنيد:
البنية التنظيمية: إنشاء أكثر من 350 مركز تدريب تحت مسمى «المقاومة الشعبية» في ولايات نهر النيل، والشمالية، والقضارف، وكسلا.
الفجوة الحقيقية: في مقابل أرقام متداولة تتراوح بين 250 و300 ألف مستنفر، تقدّر مصادر مستقلة أن عدد المقاتلين المؤهلين والمنخرطين فعليًا في القتال المباشر لا يتجاوز 15 إلى 20 ألف عنصر، يمثلون نواة صلبة ذات توجه أيديولوجي، يُعوّل عليها في مرحلة ما بعد الحرب.
من التدريب إلى إعادة تشكيل الوعي
تفيد شهادات من داخل معسكرات الاستنفار بأن الهدف لا يقتصر على الإسناد العسكري، بل يمتد إلى إعادة إنتاج «المقاتل العقائدي»:
هيمنة الخطاب
الأيديولوجي: نحو 70% من البرامج داخل المعسكرات تركز على خطاب تعبوي ذي طابع جهادي، مع شيطنة القوى المدنية ووصمها بالعمالة، مقابل ضعف التدريب العسكري الاحترافي.
تحويل الولاءات: العمل على خلق ولاء تنظيمي يتقدم على الولاء للدولة والمؤسسة العسكرية.
استثمار الفراغ الاجتماعي والاقتصادي
يستفيد منظمو الاستنفار من الانهيار شبه الكامل لمؤسسات الدولة، خاصة وسط الفئة العمرية بين 18 و30 عامًا:
انهيار التعليم: أكثر من 19 مليون طفل وشاب خارج العملية التعليمية.
بطالة خانقة: تتجاوز 80% بين الشباب في مناطق النزوح والولايات الأكثر أمنًا نسبيًا، ما يجعل الاستنفار خيارًا قسريًا للبقاء لا قناعة فكرية بالضرورة.
اقتصاد حرب خارج الدولة
لتأمين الاستقلال المالي، يعتمد المشروع على:
شبكات تمويل مرتبطة برجال أعمال من النظام السابق.
جبايات غير رسمية تحت مسمى «دعم المجهود الحربي».
ويؤدي ذلك إلى ترسيخ اقتصاد حرب موازٍ، يُغذي استمرار النزاع ويضعف أي فرص لإنهائه.
الفارق بين الخطاب والهدف
المعلن: الدفاع عن الوطن والسيادة المبطن: إعادة إحياء الحركة الإسلامية وبناء قاعدة جديدة.
المقاومة الشعبية: مساندة الجيش الواقع: تأسيس قوة موازية تمتلك سلاحًا وتأثيرًا سياسيًا.
الخطاب الإعلامي: الكرامة وحماية الأعراض الهدف: إقصاء القوى المدنية.
التدريب العسكري: حماية الأرض النتيجة: إحلال العقيدة التنظيمية محل العقيدة الوطنية.
لا تكمن خطورة الاستنفار في مبدأ الدفاع عن النفس، وهو حق مشروع، بل في توظيف هذا الحق واحتكاره سياسيًا، وتحويل الحماس الوطني إلى وقود لمشروع إقصائي يعيد عسكرة المجتمع، ويرهن مستقبل السودان لبندقية مؤدلجة لا تؤمن بالدولة المدنية ولا بالتحول الديمقراطي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.