استغلال مصر للسودان: هل يعود الاستعمار القديم بثوب جديد؟

كتب/ محمد صالح عثمان

لم تكن العلاقة بين مصر والسودان، عبر تاريخها الحديث، علاقة ندّية متوازنة بقدر ما اتسمت – في كثير من محطاتها – بمنطق الوصاية والنفوذ. فمنذ العهد التركي–المصري، مرورًا بالاستعمار الثنائي، وصولًا إلى أنظمة الحكم المتعاقبة في القاهرة، ظل السودان حاضرًا في المخيال السياسي المصري بوصفه «العمق الجنوبي» و«الحديقة الخلفية» التي يجب ضبطها لا الشراكة معها.
اليوم، ومع اندلاع الحرب في السودان وانكشاف هشاشة الدولة، تعود هذه الذهنية القديمة إلى الواجهة، ولكن بأدوات أكثر نعومة وخطورة، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما تمارسه القاهرة تجاه السودان هو حماية للأمن القومي، أم إعادة إنتاج للاستعمار القديم بصيغة جديدة؟
من الاحتلال المباشر إلى النفوذ غير المعلن
في الماضي، كان النفوذ يُفرض بالدبابات والإدارات العسكرية. أما اليوم، فتُدار السيطرة عبر شبكات معقدة من:
التحالف مع نخب عسكرية بعينها
التحكم في الملفات الاقتصادية الحيوية
توظيف الأزمات الأمنية والإنسانية
استخدام الخطاب الإعلامي والدبلوماسي لتبرير التدخل
هذا التحول لا يلغي جوهر العلاقة، بل يعيد صياغتها بما يتناسب مع النظام الدولي الحديث، حيث أصبح التدخل غير المباشر أقل كلفة وأكثر قبولًا ظاهريًا.
الجيش السوداني كأداة نفوذ
تعاملت القاهرة، لعقود، مع المؤسسة العسكرية السودانية بوصفها القناة الأكثر أمانًا لحماية مصالحها. لم يكن الرهان على الدولة السودانية ككيان سيادي مستقل، بل على جيش يمكن توجيهه وضبط إيقاعه وفق الأولويات المصرية، خصوصًا في ملفات حساسة مثل:
سد النهضة
أمن الحدود الجنوبية
موازين القوى الإقليمية في القرن الإفريقي
ومع تآكل هذه المؤسسة بفعل الحرب، بدا القلق المصري واضحًا، ليس خوفًا على السودان، بل على فقدان أداة النفوذ الأساسية.
الاقتصاد والموارد: وجه آخر للهيمنة
لم يقتصر الحضور المصري في السودان على السياسة والأمن، بل امتد إلى استغلال الموارد الزراعية والمائية، عبر اتفاقات غير متكافئة، ومشروعات صُممت لخدمة السوق المصري أكثر من التنمية السودانية.
في هذا السياق، تحوّل السودان من شريك محتمل إلى مخزن موارد رخيصة: أرض، مياه، وثروات، تُستنزف في ظل دولة ضعيفة وغير قادرة على فرض شروط عادلة.
الحرب كفرصة لإعادة التموضع
تاريخيًا، تستغل القوى الإقليمية لحظات الانهيار لإعادة ترتيب نفوذها. الحرب في السودان وفّرت للقاهرة فرصة لإعادة التموضع عبر:
دعم أطراف عسكرية بعينها
تقديم نفسها كوسيط لا غنى عنه
التلويح بشبح الفوضى واللاجئين لتبرير أي تدخل
غير أن هذا السلوك يعمّق الأزمة بدل حلّها، ويُبقي السودان رهينة لصراعات لا تخدم شعبه.
وعي سوداني في مواجهة الوصاية
ما تغيّر اليوم هو مستوى الوعي داخل الشارع السوداني. لم تعد شعارات «الأخوة» و«وحدة وادي النيل» كافية لإخفاء علاقات غير متكافئة. بات السودانيون أكثر حساسية تجاه أي تدخل خارجي، وأكثر إصرارًا على إعادة تعريف علاقتهم مع الجوار على أساس السيادة والمصالح المشتركة.
ما تمارسه مصر في السودان لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الهيمنة المقنّعة. هو ليس استعمارًا كلاسيكيًا بجيوش محتلة، لكنه استعمار نفوذ، يسعى للتحكم في القرار والسيادة دون تحمل كلفة الاحتلال.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.