الاقتصاد قبل السلام: الاستعمار المصري وابتزاز الرباعية

بقلم عمار نجم الدين

«وكم ذا بمِصرَ من المُضحِكاتِ
ولكنَّهُ ضِحكٌ كالبُكاءِ»
— أبو الطيب المتنبي

لم يكن المتنبي، وهو يهجو مصر في القرن الرابع الهجري، معنياً بمدينةٍ بعينها بقدر ما كان يصف حالة دولةٍ تتقن صناعة المفارقة: خطابٌ عالٍ يخفي مأزقًا عميقًا، وضحكٌ سياسيّ يدار لستر بكاءٍ مؤجَّل. هذا الوصف القديم يبدو اليوم صالحًا، على نحوٍ مؤلم، لقراءة المشهد المصري في تعاطيه مع السودان.
فالبيان المصري الأخير، الصادر بمناسبة زيارة عبد الفتاح البرهان، لا يمكن قراءته كنصٍّ إنشائي عن وحدة السودان أو استقرار الإقليم. البيانات لا تُقرأ بنواياها المعلنة، بل بميزان المصالح. ومصر اليوم لا تتحدث من موقع القوة، بل من موقع القلق؛ قلق الدولة المثقلة بالديون، المحاصَرة اقتصاديًا، والتي باتت ترى في أي تحوّل سوداني مستقل تهديدًا مباشرًا لما تبقّى من نفوذها التاريخي.
الاقتصاد المصري يعيش لحظة انكشاف بنيوي: ديون خارجية خانقة، ديون داخلية أعمق، شُحّ مزمن في النقد الأجنبي، واعتماد شبه دائم على الدعم الخليجي والمؤسسات الدولية. في مثل هذا الوضع، لا تعود السياسة الخارجية مجالًا للمبادئ، بل تتحول إلى أداة لإدارة الأزمة المالية. كل ملف إقليمي يصبح ورقة تفاوض، وكل نزاع قابلًا للتسعير.
السودان، في هذا السياق، ليس جارًا فقط، بل أصلًا استراتيجيًا. ضعف الدولة السودانية خلال الحرب أتاح لمصر جملة من المكاسب الصامتة التي يصعب تعويضها في حال السلام الحقيقي: ذهب سوداني يتدفق عبر قنوات غير محكمة، يسدّ فجوات في سوق يعاني شح الدولار. سوق سودانية مختنقة تعتمد في نحو 80–90% من سلعها الأساسية على الاستيراد من مصر، فتحولت العلاقة من تبادل إلى تبعية قسرية. ومشاريع زراعية متوقفة، تعني مياه غير مستثمرة جنوبًا، ومكسبًا مائيًا غير مباشر لدولة تعاني فقرًا مائيًا بنيويًا.
لكن قبل الذهاب بعيدًا في تحليل الحاضر، لا بد من التوقف عند ذاكرة الخطاب. حين ترفع مصر اليوم شعار «وحدة السودان خط أحمر» وتربطه بالأمن القومي، فإن هذا الشعار ليس جديدًا. هو تكرار شبه حرفي لبيانات وتصريحات صدرت من القاهرة قبل انفصال جنوب السودان في 2011، إبّان عهد حسني مبارك، عندما كان عمرو موسى وزيرًا للخارجية. يومها، كانت مصر تصدر البيانات نفسها عن الحرص على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعن رفض التقسيم، وعن جعل الوحدة «جاذبة». ومع ذلك، لم تمنع تلك التصريحات الانفصال، ولم تتحوّل إلى التزامات سياسية رادعة. ما يؤكد أن «الخط الأحمر» ظل، تاريخيًا، حدًا لغويًا في البيانات لا أكثر.
الأكثر فداحة أن هذا الخطاب يتناقض مع الواقع الميداني ذاته. فالدولة التي تتحدث عن وحدة السودان هي نفسها التي تفرض سيطرتها القهرية منذ منتصف التسعينات على أراضٍ سودانية في حلايب وشلاتين وأبو رماد. لم تكتفِ القاهرة بالسيطرة العسكرية، بل مضت أبعد من ذلك: إدماج إداري كامل، تجريد مواطنين سودانيين من جنسيتهم، تحويل المنطقة إلى دوائر انتخابية مصرية، واستغلال الموارد خارج أي تسوية قانونية متفق عليها. أي أن «وحدة السودان» في الخطاب المصري لم تمنع عمليًا اقتطاع أجزاء منه بالقوة.
هذا التناقض البنيوي يفرغ الخطاب من مضمونه الأخلاقي. فلا يمكن لدولة تحتل أرضًا سودانية وتُدار ضدها دعاوى وشكاوى دولية قائمة، أن تقدّم نفسها وصيًّا على سلامة ووحدة التراب السوداني. ولا يمكن فصل هذا السلوك عن نمط أوسع من التدخل السياسي، حيث كانت مصر أحد الفاعلين الإقليميين الذين دفعوا باتجاه تمكين المؤسسة العسكرية في مواجهة ثورة ديسمبر، وساهموا—بصورة مباشرة أو غير مباشرة—في إعادة إنتاج معادلة الانقلاب، وهي المعادلة التي قادت في نهاية المطاف إلى انفجار الحرب.
من هنا، تتضح المخاوف المصرية الحقيقية: ليست الحرب في ذاتها، بل ما بعد الحرب. وقف إطلاق النار الذي يقود إلى حكومة سودانية مستقلة سياسيًا واقتصاديًا يعني إعادة تنظيم الذهب، تنويع الشركاء التجاريين، استعادة القرار الزراعي، وفتح ملف المياه والتكامل الإقليمي على أساس الندية. هذا السيناريو لا يمثّل سلامًا للقاهرة، بل خسارة استراتيجية مؤكدة.
استراتيجيًا، ظل السودان لأكثر من قرنين مرتبطًا بمصر بما يشبه الحبل السري. لم يكن تابعًا رسميًا، لكنه لم يكن مستقلًا فعليًا. كانت العلاقة قائمة على الاعتماد والعادة ونخب مروّضة. أي انفكاك حقيقي—سياسيًا واقتصاديًا—يعني أن مصر ستفقد عمقها الجنوبي، وسوقها الخلفية، وامتدادًا تاريخيًا غير معلن شكّل جزءًا من تعريفها الإقليمي.
في هذا الإطار، يصبح سعي مصر إلى تعويضات اقتصادية وإعفاءات من الديون سلوكًا مفهومًا في منطق الدول المأزومة. الرسالة غير المعلنة لدول الرباعية واضحة: إذا كان لا بد من وقف الحرب، فليكن ذلك مقابل ضمانات اقتصادية تُعوّض القاهرة عن خسارتها المحتملة في السودان. السلام، في هذه القراءة، ليس قيمة قائمة بذاتها، بل صفقة لها ثمن.
هكذا، لا يعود البيان المصري وثيقة مبدئية، بل أداة ضغط. ولا تعود الحرب مأساة إنسانية فقط، بل رافعة تفاوض. وما يبدو دفاعًا عن وحدة السودان، يخفي خوفًا عميقًا من استقلاله.
وهنا يعود المتنبي صالحًا للخاتمة كما كان صالحًا للبداية:
فالضحك السياسي العالي ليس سوى محاولة لتأجيل البكاء، حين تدرك الدولة أن ما اعتبرته امتدادًا طبيعيًا لم يعد يقبل أن يُدار بغير إرادته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.