بين القمع والاعتقالات: مخاوف سلطات حكومة بورتسودان من استعادة الشارع لدوره السياسي!

تقرير: عين الحقيقة

في ظل استمرار حرب الجنرالين، وما خلفته من دمار واسع وانسداد في الأفق السياسي، حلّت الذكرى السابعة لثورة 19 ديسمبر لتؤكد، مرة أخرى، أن الثورة لم تعد حدثًا مؤقتًا أو حراكًا مرتبطًا بزمان أو مكان، بل تحولت إلى وعي جمعي يصعب إخضاعه أو محاصرته. فقد عبّرت المواكب التي خرجت في عدد من المدن عن حضور متجدد للفكرة الثورية بوصفها فعلًا سياسيًا حيًا، لا تلغيه الحرب ولا تُسكته آلة القمع، مهما اشتدت.

وفي هذا السياق، بدت الاعتقالات التي طالت نشطاء في مدن مثل القضارف ودنقلا وبورتسودان أبعد ما تكون عن كونها إجراءات أمنية روتينية؛ إذ عكست بوضوح حالة القلق العميق التي تعيشها سلطات الأمر الواقع في بورتسودان تجاه أي محاولة لاستعادة الشارع لدوره التاريخي كفاعل سياسي مستقل، بعيدًا عن منطق السلاح وأصوات المدافع.

وبحسب مراقبين، شكّلت هذه الاعتقالات رسالة مباشرة مفادها أن السلطة ترى في ثورة ديسمبر السلمية تهديدًا حقيقيًا لشرعيتها، التي تستند إلى واقع الحرب لا إلى التفويض الشعبي.

وتابعت صحيفة ومنصة عين الحقيقة في شرق السودان، وتحديدًا بولاية القضارف، تصاعد هذه المخاوف على الأرض؛ إذ لم تكن المداهمات التي نفذتها قوة مشتركة، قبيل يوم واحد من انطلاق المواكب، مجرد رد فعل لحظي، بل جاءت في إطار استهداف ممنهج للثوار. وأسفرت تلك المداهمات عن اعتقال كل من وجدي خليفة، وعمر عمارة، السكرتير الثقافي لمركز شروق، في خطوة كشفت عن عمق التغلغل الأمني لعناصر المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في مفاصل الولاية، وهو ما أكدته لجان مقاومة القضارف في بيانها، حين ربطت بين القمع المتصاعد وموقفها الواضح بتصنيف الحركة الإسلامية جماعةً إرهابية.

وبذات القدر من البطش والتنكيل بالثوار، حاصرت الأجهزة الأمنية في مدينة دنقلا، شمالي السودان، منزل الثائر منيب عبد العزيز بمنطقة مقاصر، قبل اعتقاله على خلفية مخاطبة جماهيرية لإحياء ذكرى الثورة.

وطبقًا لمحللين، تبعث هذه الاعتقالات برسالة لا لبس فيها مفادها أن النظام القمعي يرى في الخطاب السلمي خطرًا يفوق خطر المدافع، وأن حق التعبير لا يزال يمثل ساحة الصراع الأساسية بين سلطة البندقية وإرادة الشعب.

وتتزامن هذه التحركات الأمنية مع محاولات يائسة لإعادة تجييش الذاكرة الوطنية من قبل حكومة بورتسودان عبر مواكب مصنوعة ومدفوعة القيمة، فشلت في كسب أي تعاطف شعبي، كما حدث في 13 ديسمبر. وفي المقابل، جاءت عفوية 19 ديسمبر لتخطف الأضواء، ولتؤكد الفرق بين الحشد المصطنع والإرادة الشعبية الحقيقية. وفي هذا الإطار، أشار القيادي خالد عمر يوسف إلى أن محاولات اختراق الثورة، سواء عبر الانقلاب أو الحرب، قد باءت بالفشل، لأن طريق ديسمبر وطريق الحرب ضدّان لا يلتقيان.

إن ما يجري اليوم يمكن قراءته بوصفه محاولة تصفية سياسية للثورة تحت غطاء الحرب؛ فسلطة بورتسودان تدرك أن استمرار المطالبة بالحكم المدني يعني، بالضرورة، إنهاء نفوذ نظام الإنقاذ، الذي يسعى إلى بعث روحه من جديد عبر استغلال حالة اللادولة والانفلاتات.

واللافت أن الثورة تحولت من مجرد فعل احتجاجي إلى ما يشبه الدرع الاجتماعي؛ فبحسب رؤية رئيس الحركة الشعبية- التيار الثوري الديمقراطي- ياسر عرمان، في مقال له، فإن القوى المدنية التي تطاردها الاعتقالات هي ذاتها التي تدير التكايا وغرف الطوارئ، وتستضيف النازحين، ما جعل الثورة تنتقل من مربع الهتاف إلى مربع الإسناد والحياة اليومية. هذا التحول منح الفكرة الثورية قدرة استثنائية على البقاء، لأنها باتت مرتبطة بحق الحياة ذاته، لا بالشعارات وحدها.

وعلى صعيد مدينة بورتسودان، التي تتخذ منها حكومة الأمر الواقع مقرًا لها، نجح المبدعون في شق مسارات سلمية للتعبير، كما فعل الفنان سيدي دوشكا. وفي أم درمان العريقة، انبعث وميض الثورة من تحت رماد الحرب، ليؤكد أن ما جرى لم يكن موتًا للثورة، بل بياتًا شتويًا فرضته ظروف القتال.

وبحسب مراقبين، تثبت أحداث 19 ديسمبر أن الاعتقالات التعسفية لم تعد تنتج الخوف بقدر ما تولد التضامن؛ فبيانات لجان المقاومة في دنقلا والقضارف لم تكن بيانات استجداء، بل إعلانات صمود تؤكد أن المعركة لا تزال مفتوحة. فالسلطة التي تطارد الثوار العزل لمجرد إحيائهم ذكرى الثورة، هي سلطة تعيش أزمة شرعية، وتدرك يقينًا أن ديسمبر لم تكن لحظة عابرة، بل شعلة متقدة، وأن فجر دولة الناس، لا دولة البنادق، آتٍ لا محالة، مهما طال ليل الزنازين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.