حكومة بورتسودان.. «دبلوماسية العقاب» تطارد المعارضين بالخارج وتصادر ممتلكاتهم بالداخل

تقرير: عين الحقيقة

بينما تحرص سلطة الأمر الواقع في بورتسودان على تسويق خطابٍ مرنٍ يتحدث عن حقوق المواطنة والعدالة، تكشف الوقائع على الأرض فجوةً كبيرة بين الوعود الرسمية والممارسات التنفيذية.

ففي السابع عشر من ديسمبر الجاري 2025، أصدر قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، توجيهاً بتسهيل استخراج الأوراق الثبوتية لجميع السودانيين دون قيدٍ أو شرط، إلا أن هذا التوجيه اصطدم بتعنتٍ إداري واستهدافٍ سياسي طال رموز المعارضة السودانية المحسوبة على تحالف «صمود»، حتى داخل ممتلكاتهم الخاصة.

ورغم تأكيد البرهان أن الحق في الهوية لا يسقط حتى بالبلاغات الجنائية، لا تزال القنصليات السودانية بالخارج تمارس «فيتو» سياسياً ضد المعارضين. وقدّم شريف محمد عثمان، الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني، مثالاً واضحاً على هذا التناقض، حين كشف عن منعه مجدداً من تجديد جواز سفره في سفارة السودان بقطر.

وتابعت صحيفة ومنصة «عين الحقيقة» أن الموظفين في السفارة تذرعوا بتكرار حجج واهية، مثل تشابه الأسماء أو عدم وصول قرار مكتوب، في استراتيجية اعتبرها مراقبون محاولةً للالتفاف على التوجيهات الرئاسية. ويقول عثمان إن طلبه ظل معلقاً منذ 16 شهراً، رغم اكتمال جميع الإجراءات وسداد الرسوم، ما ينفي أي حجة إدارية. ويعزز هذا الواقع فرضية وجود «دولة موازية» داخل مؤسسات حكومة بورتسودان، تمتلك نفوذاً يتجاوز قيادة الجيش، وتتعمد تجاهل الخطابات الرسمية الموجهة للوزارة المختصة.

ولم تقتصر الممارسات على عرقلة استخراج الأوراق الثبوتية فحسب، بل امتدت لتشمل تصفية الحسابات عبر مصادرة الأملاك الخاصة. ففي مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان، استولت قوة عسكرية على منزل أسرة القيادي في تحالف «صمود» وعضو مجلس السيادة السابق، محمد الفكي سليمان.

وطبقاً لشهادات، فإن المنزل المستهدف ليس ملكاً شخصياً للفكي فحسب، بل إرثٌ عائلي يعود لجده المتوفى عام 1962، وظل مفتوحاً للحي وللأنشطة الاجتماعية. وبالمقابل، فإن قيام ضابط برتبة رفيعة بوضع علامة «محظور» على جدران المنزل، وإمهال السكان أياماً للإخلاء، يمثل-وفق خبراء قانونيين- انتهاكاً صارخاً للملكية الخاصة، وتوظيفاً مباشراً لمؤسسات الدولة في الصراع السياسي.

وتشير هذه التطورات إلى أن عناصر النظام السابق نجحوا في تحويل المؤسسات الخدمية والسيادية إلى أدوات «عقاب جماعي» ضد القوى المدنية المناهضة للحرب. فالحرمان من الجواز يعني حرماناً من حق التنقل والعمل، ومصادرة المنازل تعني تشريداً قسرياً، وكلاهما يندرج تحت ما يمكن وصفه بالإرهاب السياسي، في إطار زائف من الشرعية التي تزعمها سلطة بورتسودان.

ويرى مراقبون أن استمرار القنصليات في طلب قرارات مكتوبة لتنفيذ توجيهات معلنة، بالتزامن مع ملاحقة أملاك المعارضين، يؤكد وجود انفصامٍ عميق بين الخطاب الدبلوماسي والممارسات الأمنية لسلطة بورتسودان، ما يضع مصداقية أي انفراج سياسي محتمل على المحك، ويحوّل حقوق المواطنة الأساسية إلى رهائن في صراع السلطة.

وتكشف هذه الوقائع عن نمطٍ متكامل من الممارسات لا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع لإدارة الصراع عبر أدوات الدولة نفسها، حيث تتحول الحقوق الأساسية من استحقاقات قانونية إلى أوراق ضغط سياسية. فبين خطابٍ رسمي يتحدث عن التيسير والعدالة، وواقعٍ تنفيذي يقوم على الإقصاء والمصادرة، تتآكل ثقة المواطنين في مؤسسات يُفترض أن تكون محايدة وخادمة للصالح العام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.