في خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز مضمونها المعلن، أعلن رئيس وزراء حكومة بورتسودان، من داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، مبادرة سلام شاملة لوقف الحرب في السودان، وذلك في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا. الإعلان، الذي جاء أمام أعلى منصة أممية معنية بالسلم والأمن الدوليين، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد طرح سياسي، بل كمؤشر على تحوّل محتمل في إدارة الصراع، ونقل ملف الحرب من ساحات القتال إلى ساحات التفاوض الدولي.
ووفقًا لمتابعات «عين الحقيقة»، فإن المبادرة تعكس إدراكًا متزايدًا داخل سلطة بورتسودان بأن استمرار الحرب لم يعد قابلًا للاستثمار السياسي أو العسكري، في ظل إنهاك الموارد، وتراجع الدعم الخارجي غير المشروط، وتصاعد الضغوط الدولية بشأن الكلفة الإنسانية.
ويشير دبلوماسي سوداني سابق، تحدّث للمنصة، إلى أن اختيار مجلس الأمن للإعلان ليس صدفة، بل رسالة مزدوجة: طلب غطاء دولي، وإعادة تقديم الحكومة كشريك سلام، لا كطرف حرب فقط».
لكن في المقابل، يطرح مراقبون تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت المبادرة تمثل تحوّلًا حقيقيًا في بنية القرار، أم مجرد محاولة لإعادة التموضع السياسي في لحظة دولية ضاغطة. فحتى الآن، لم تُكشف تفاصيل واضحة بشأن آليات التنفيذ، أو الضمانات، أو مدى شمول المبادرة لكل أطراف النزاع والقوى المدنية، ما يفتح الباب أمام مخاوف من أن تبقى إطارًا عامًا أكثر من كونها خارطة طريق قابلة للتطبيق.
ويرى الخبير الأمني نورالدين عثمان أن اللافت في توقيت الإعلان هو تزامنه مع تحولات ميدانية بطيئة ولكن عميقة؛ إذ باتت خطوط القتال شبه جامدة، وطال الاستنزاف جميع الأطراف، بينما تتصاعد الكلفة الإنسانية التي تهدد الاستقرار الإقليمي. من جانبه، يذهب خبير النزاعات د. خالد عثمان إلى أن «المرحلة المقبلة قد تشهد انتقال الصراع من منطق الحسم العسكري إلى منطق التسويات الجزئية، تمهيدًا لتسوية أشمل، لا سيما إذا ترافقت المبادرة مع ضغوط دولية حقيقية.
وفي قراءة مختلفة، يرى الناشط المدني يوسف هارون أن المبادرة تمثل محاولة لإعادة ضبط علاقة السودان بالمجتمع الدولي بعد فترة من العزلة والتشكيك في نوايا أطراف الصراع.
فطرح السلام من منصة دولية يمنح الحكومة فرصة لاستعادة سردية الدولة الساعية للاستقرار، مقابل تحميل الأطراف الرافضة مسؤولية استمرار الحرب، وهي معادلة قد تؤثر في مواقف الفاعلين الدوليين خلال المرحلة المقبلة.
ويجمع خبراء تحدثوا إلى «عين الحقيقة» على أن مبادرة السلام المعلنة أمام مجلس الأمن قد تمثل بداية تحوّل في شكل الحرب، لا نهايتها بالضرورة.
إذ يظل نجاحها مرهونًا بمدى جديتها، وشمولها، وارتباطها بوقف فعلي لإطلاق النار، وفتح مسار سياسي سوداني جامع، لا يُدار من الخارج ولا يُفرض بالقوة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحركات اللاحقة للخطاب، تبقى المبادرة اختبارًا حقيقيًا لنوايا سلطة بورتسودان وقدرتها على الانتقال من لغة الحرب إلى منطق السلام.
فإما أن تشكّل مدخلًا لخفض التصعيد وفتح أفق سياسي جديد، أو أن تُضاف إلى سلسلة المبادرات التي وُلدت تحت أضواء المنابر الدولية، ثم تلاشت عند أول اختبار ميداني. وبين هذين الاحتمالين، يظل السؤال معلقًا: هل اقترب السودان من لحظة كسر حلقة الحرب، أم أن شروط السلام لم تنضج بعد؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.