لقاء العطا و«كتائب البراء»… تحالف الضرورة أم مقامرة الحرب الأخيرة؟

تقرير :  عين الحقيقة

يثير اللقاء الذي كُشف عنه بين رئيس الأركان السوداني، الفريق أول ركن ياسر العطا، وقادة ما يُعرف بـ“كتائب البراء»، جملة من التساؤلات العميقة حول مسار الحرب في السودان، وطبيعة التحالفات العسكرية التي تتشكل في الخفاء، خاصة في ظل تنامي الجدل حول دور التيارات الإسلامية في المشهد العسكري والسياسي.

دلالات التوقيت والسياق

يأتي هذا الاجتماع في لحظة مفصلية، حيث دخلت الحرب في السودان مرحلة استنزاف طويلة، مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار. كما أن اقتراب فصل الخريف، الذي يعقّد العمليات العسكرية ميدانيًا، يفسّر الضغط الزمني الذي مارسه العطا لتكثيف العمليات، خاصة في محاور الكرمك وكردفان.. هذا التوقيت يشير إلى محاولة قيادة الجيش تحقيق مكاسب ميدانية سريعة قبل أي استحقاقات سياسية محتملة، أو ضغوط دولية متزايدة لفرض تسوية.

وفي المقابل، تسعى قوات تحالف السودان التأسيسي إلى فرض نفوذها، والضغط المتواصل لتحرير مزيد من المدن السودانية، خاصة في محاور كردفان والنيل الأزرق.

إعادة توظيف الكتائب الإسلامية

يكشف اللقاء بوضوح عن توجه لإعادة دمج أو توظيف الكتائب ذات الخلفية الإسلامية ضمن الاستراتيجية العسكرية للجيش. هذه الخطوة تحمل أبعادًا متعددة:

عسكريًا: الاستفادة من المقاتلين ذوي الخبرة العقائدية والتنظيمية لتعويض النقص في القوات النظامية.

سياسيًا: يعكس تقاربًا أو تحالفًا غير معلن مع تيارات مرتبطة بالحركة الإسلامية، رغم حساسيتها دوليًا وتصنيفها مؤخرًا كجماعة إرهابية.
أمنيًا: محاولة ضبط هذه الكتائب عبر إدماجها في هياكل رسمية، بدل بقائها كقوى موازية قد يصعب التحكم فيها لاحقًا.

إشكالية «الشرعية الدولية»

اللافت في الاجتماع هو طلب تقليل الظهور الإعلامي لهذه الكتائب، وهو ما يعكس إدراكًا واضحًا لحساسية هذا التعاون أمام المجتمع الدولي. فربط الجيش بقوى مصنفة كتنظيمات إرهابية «أو مثيرة للجدل» قد يضعف موقفه في أي مفاوضات، ويهدد علاقاته مع أطراف إقليمية ودولية.

هذا التناقض بين الحاجة العسكرية والقيود السياسية يعكس مأزقًا استراتيجيًا: كيف يمكن للجيش تحقيق تفوق ميداني دون الإضرار بشرعيته الدولية؟

ملامح «دمج موازٍ» داخل المؤسسة العسكرية

العروض التي قدمها العطا، من تدريب خارجي، وتجنيد رسمي، وإدماج في هيئة العمليات، تشير إلى ما يمكن وصفه بـ“دمج موازٍ» لهذه الكتائب داخل الجيش.
هذا التوجه قد تكون له تداعيات بعيدة المدى، منها: إعادة تشكيل بنية الجيش على أسس غير تقليدية، وتعزيز نفوذ تيارات محددة داخل المؤسسة العسكرية، وخلق توترات داخلية مع ضباط أو وحدات قد ترى في هذا الدمج تهديدًا لتوازن القوة.

البعد الإقليمي والدولي

الإشارة إلى برامج تدريب في دول مثل مصر وتركيا وباكستان والصين تعكس محاولة لإضفاء طابع “احترافي” على هذه الكتائب، لكنها تطرح أيضًا تساؤلات حول مدى علم أو قبول هذه الدول بمثل هذه الترتيبات، خاصة في ظل حساسية التصنيفات المرتبطة ببعض هذه التشكيلات عقب التصنيف الأخير.

كما أن استمرار الحرب، ورفض الجيش وقادته المنتمين للحركة الإسلامية لبعض المبادرات الخارجية، قد يدفع أطرافًا دولية إلى إعادة تقييم موقفها من الجيش السوداني، خصوصًا إذا تعززت الانطباعات بوجود تحالفات مع قوى أيديولوجية مسلحة.

ماذا يعني ذلك لمسار الحرب؟

يمكن قراءة هذا اللقاء ضمن سيناريوهين رئيسيين:
سيناريو التصعيد: حيث يسعى الجيش لحسم عسكري سريع عبر توسيع قاعدة المقاتلين، حتى لو تطلب ذلك تحالفات مثيرة للجدل.. وسيناريو إعادة التموضع: وهو محاولة لإعادة ترتيب الأوراق ميدانيًا قبل الدخول في مفاوضات متوقعة من موقع أقوى.

خلاصة تحليلية لـ»عين الحقيقة»

اللقاء، إن صحت تفاصيله، لا يعكس مجرد تنسيق عسكري عابر، بل يكشف عن تحول محتمل في استراتيجية الجيش السوداني، يقوم على توسيع دائرة الحلفاء الميدانيين، حتى وإن كانوا محل جدل داخلي وخارجي.
لكن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، أبرزها تعقيد فرص التسوية السياسية، وإعادة إنتاج أزمات سابقة تتعلق بتداخل العمل العسكري مع الأيديولوجي.
في الواقع، يبدو أن الحرب في السودان لا تتجه فقط نحو إطالة أمدها، بل نحو إعادة تشكيل عميقة في طبيعة الفاعلين داخلها، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على مستقبل الدولة وتوازناتها في مرحلة ما بعد الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.