السودان في مرمى النفوذ الإيراني.. كيف تحوّل السلاح إلى بوابة للتمدد على البحر الأحمر؟
تقرير: عين الحقيقة
أعاد تحقيق استقصائي أمريكي حول صفقات سلاح إيرانية موجهة إلى السودان فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بتنامي النفوذ الإيراني في منطقة البحر الأحمر، وسط مخاوف من أن تكون الحرب السودانية قد تحولت من صراع داخلي على السلطة إلى ساحة جديدة للتنافس الإقليمي والدولي.
فما تكشفه المعطيات الأخيرة لا يشير فقط إلى عمليات توريد أسلحة لطرف في النزاع، بل إلى مسار أوسع تحاول من خلاله طهران استثمار هشاشة الدولة السودانية، والانقسام العسكري، لتوسيع حضورها الاستراتيجي في واحدة من أهم المناطق الجيوسياسية في العالم. ويرى مراقبون أن إيران لا تتعامل مع السودان باعتباره سوقاً للسلاح، بل نقطة ارتكاز محتملة ضمن مشروع نفوذ يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ثم العمق الأفريقي.
تشير التقارير إلى أن طبيعة الأسلحة التي وصلت أو طُرحت ضمن صفقات محتملة تشمل طائرات مسيّرة، ذخائر دقيقة، ومنظومات قتالية متقدمة، وهي أدوات تتجاوز مفهوم الإسناد التقليدي..
أسلحة نوعية تغيّر موازين المعركة
تشير التقارير إلى أن طبيعة الأسلحة التي وصلت أو طُرحت ضمن صفقات محتملة تشمل طائرات مسيّرة، ذخائر دقيقة، ومنظومات قتالية متقدمة، وهي أدوات تتجاوز مفهوم الإسناد التقليدي، إذ يمكنها إحداث تغيير ملموس في طبيعة الحرب. فالطائرات المسيّرة تمنح أي طرف قدرة أكبر على الاستطلاع والمراقبة وتنفيذ ضربات بعيدة المدى، بينما تسمح الذخائر المتطورة بإطالة أمد المعركة ورفع كلفة المواجهة على الخصم.
ويقول الخبير العسكري اللواء المتقاعد حسن عبد الرحيم إن “هذا النوع من التسليح لا يهدف فقط إلى دعم العمليات الحالية، بل إلى إعادة تشكيل ميزان القوة الميداني، خصوصاً في الحروب غير النظامية”. وأضاف أن “الدول التي توفر هذه الأنظمة عادة ما تربطها بمنظومة تشغيل وصيانة وتدريب، ما يخلق تبعية طويلة الأمد”.
تبعية لوجستية تتجاوز الحرب
يرى محللون أن أخطر ما في هذه الصفقات ليس السلاح نفسه، بل ما يرافقه من ارتباطات فنية ولوجستية. فالجيوش التي تعتمد على منظومات أجنبية متقدمة تحتاج إلى: خبراء تشغيل وصيانة، قطع غيار دورية، تحديثات برمجية وتقنية، تدريب مستمر للعناصر العسكرية. وهذا يعني، وفق خبراء، أن أي انخراط عسكري إيراني قد يتحول تدريجياً إلى حضور أعمق داخل المؤسسات السودانية.
البحر الأحمر.. الهدف الأبعد
يؤكد مختصون في شؤون الأمن الإقليمي أن السودان يمثل قيمة استراتيجية كبرى بسبب موقعه المطل على البحر الأحمر، وهو ممر بحري تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية. ويقول الباحث في العلاقات الدولية الدكتور مأمون الطيب إن “من يثبت نفوذه على الساحل السوداني يملك قدرة أكبر على التأثير في معادلات الملاحة والأمن الإقليمي”. ويضيف أن إيران، التي تمتلك نفوذاً عبر حلفائها في مناطق أخرى من الإقليم، قد ترى في السودان فرصة لاستكمال نطاق تأثيرها البحري، خصوصاً في ظل الاضطرابات السياسية التي تعيشها البلاد.
السودان بين المحاور المتصارعة
يحذر محللون من أن دخول السودان في شراكات عسكرية مع أطراف خاضعة لعقوبات دولية قد يعقد مستقبلاً علاقاته الخارجية، ويؤثر على فرص الحصول على دعم اقتصادي أو سياسي بعد انتهاء الحرب. كما أن الارتهان لمحاور إقليمية متنافسة قد يضع الخرطوم في قلب صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية. وتقول المحللة السياسية أماني إدريس إن “أي دعم عسكري قد يبدو مكسباً سريعاً في زمن الحرب، لكنه قد يتحول لاحقاً إلى فاتورة سياسية باهظة تدفعها الدولة كلها”.
إطالة أمد الحرب
من بين المخاوف الرئيسية أيضاً أن تدفق السلاح النوعي قد يغذي منطق الحسم العسكري، ويقلل فرص التفاوض، بما يؤدي إلى استمرار الحرب لسنوات إضافية. ويرى خبراء أن كل طرف يحصل على دعم خارجي جديد يصبح أقل استعداداً لتقديم تنازلات سياسية، ما يطيل معاناة المدنيين ويزيد من حجم الدمار.
قلق إقليمي متصاعد
تراقب دول المنطقة، خاصة المطلة على البحر الأحمر، أي تحركات من شأنها تغيير موازين النفوذ في هذا الممر الحيوي. ولذلك يُتوقع أن يثير أي تمدد إيراني محتمل في السودان ردود فعل إقليمية ودولية متزايدة. ويرى مراقبون أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالحرب السودانية، بل بأمن الملاحة الدولية، واستقرار القرن الأفريقي، وتوازنات الشرق الأوسط.
مفترق طرق سوداني
يقف السودان اليوم أمام معادلة صعبة: البحث عن دعم عسكري في ظل حرب مدمرة، أو تجنب الوقوع في تبعيات استراتيجية قد تستمر لعقود. وفي ظل غياب حل سياسي شامل، تظل البلاد عرضة لأن تتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث يصبح السلاح أداة نفوذ، وتصبح الجغرافيا السودانية ثمناً للصراع. ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع السودان استعادة قراره الوطني قبل أن تتحول شواطئه إلى نقطة اشتباك دولي جديدة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.