تتحرك في هذه الأيام مسارات عديدة لإيقاف الحرب في السودان، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الدم والخراب والتشريد. لقاءات إقليمية، ضغوط دولية، مبادرات مدنية، وتحركات دبلوماسية متسارعة، كلها تشير إلى أن العالم بدأ يدرك أن استمرار هذه الحرب لم يعد شأناً سودانياً داخلياً، بل تهديداً للاستقرار الإقليمي والإنساني معاً.
لقد أنهكت الحرب السودانيين جميعاً. مدن مدمرة، قرى أُحرقت، ملايين النازحين، أطفال بلا مدارس، ونساء يحملن أعباء النجاة في مخيمات النزوح واللجوء. لم يعد في السودان بيت لم تمسه المأساة، ولا أسرة لم تذق مرارة الفقد أو الخوف أو الجوع. ولهذا، فإن أي خطوة جادة نحو وقف الحرب يجب أن تُستقبل كنافذة أمل لشعب يستحق الحياة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل سيصمت الإسلاميون في السودان أمام أي مشروع للسلام؟
التجربة تقول إن التيارات التي عاشت على التمكين، واعتادت توظيف الدولة لمصالحها، لا ترى في السلام فرصة، بل تهديداً مباشراً. فالحرب بالنسبة لبعضهم ليست مأساة وطنية، بل بيئة مناسبة للعودة، وفوضى يمكن الاستثمار فيها، ودخان يُخفي إعادة التمركز داخل مؤسسات الدولة.
منذ اندلاع الصراع، لاحظ السودانيون كيف ارتفعت أصوات تعبّئ للحرب، وتهاجم كل دعوة للحوار، وتُخوّن كل من ينادي بوقف إطلاق النار. لم يكن ذلك دفاعاً عن الوطن بقدر ما كان دفاعاً عن مشروع سياسي لفظه الشعب ذات ثورة، لكنه يحاول العودة هذه المرة من بوابة البنادق.
السلام الحقيقي يعني دولة مدنية، مؤسسات قومية، جيشاً وطنياً بعيداً عن التنظيمات، ومحاسبة عادلة لكل من أجرم في حق الشعب. وهذا بالضبط ما تخشاه القوى التي راكمت نفوذها عبر الاستقطاب والحروب. لذلك، من الطبيعي أن تقاوم أي تسوية تنهي الفوضى وتعيد ترتيب المشهد على أسس جديدة.
لكن السودان اليوم ليس سودان الأمس. الشعب الذي خرج مطالباً بالحرية لن يقبل أن يُسرق مستقبله مرة أخرى. والأمهات اللاتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين كبروا وسط الرصاص، والشباب الذين شردتهم الحرب، كل هؤلاء يعرفون أن لا خلاص إلا بالسلام.
المطلوب الآن ليس مجرد وقف إطلاق نار مؤقت، بل مشروع وطني شامل يضع نهاية للحرب ويؤسس لمرحلة جديدة. مشروع يشارك فيه المدنيون، وتُحمى فيه وحدة البلاد، وتُعاد فيه كرامة الإنسان السوداني.
أما الإسلاميون وغيرهم من تجار الحرب، فلهم أن يختاروا: إما أن ينضموا لصوت الوطن ويصمتوا أمام إرادة السلام، أو يواصلوا الرهان على الخراب، وفي هذه الحالة سيجدون أنفسهم في مواجهة شعب تعب من المقابر والنزوح والدموع.
لقد تأخر السلام كثيراً، لكن أبوابه لم تُغلق. والسؤال لم يعد: هل يمكن إيقاف الحرب؟ بل: من الذي سيجرؤ على الوقوف ضد رغبة السودانيين في الحياة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.