السودان بين إرث “التمكين” وتعطيل الدولة… قراءة حادة في مسؤولية الكيزان عن الانهيار الراهن
حامد عثمان محمد
لم يعد من الممكن التعامل مع الأزمة السودانية بمنطق المجاملات السياسية أو اللغة الملساء التي تساوي بين الجلاد والضحية. فالمشهد اليوم، بكل تعقيداته وانفجاراته المتكررة، هو نتاج مباشر لتراكمات طويلة من مشروع سياسي–أيديولوجي حكم السودان لثلاثة عقود تحت مسمى “الإنقاذ”، والذي ارتبط في الوعي العام بما يُعرف بـ“الكيزان”.
إن ما جرى خلال سنوات التمكين لم يكن مجرد حكم سياسي عابر، بل كان مشروعًا لإعادة تشكيل الدولة على أسس الولاء التنظيمي، لا الكفاءة الوطنية. تم اختراق مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وتفكيك الخدمة العامة لصالح شبكات ولاء حزبي ضيق، الأمر الذي أدى إلى إضعاف بنية الدولة نفسها من الداخل، وتحويلها إلى كيانات متوازية تتصارع بدل أن تتكامل.
ومع مرور الوقت، لم يعد الفساد مجرد انحراف فردي، بل أصبح نمط إدارة. ولم تعد المحسوبية استثناءً، بل قاعدة. وفي ظل هذا الواقع، تآكلت ثقة المواطن في الدولة، وتحوّل السودان تدريجيًا من دولة ذات مؤسسات إلى دولة ذات مراكز قوى متنازعة.
الأخطر من ذلك أن مشروع التمكين لم يكتفِ بإعادة تشكيل الداخل، بل خلق بيئة سياسية مشحونة بالإقصاء والاستقطاب، أغلقت الباب أمام أي انتقال ديمقراطي سلس، وجعلت فكرة التداول السلمي للسلطة أمرًا هشًا وسهل الانهيار.
واليوم، ومع تفجر الحرب والانقسام الحاد في البلاد، تظهر نتائج هذا الإرث الثقيل بوضوح. فالدولة التي تم تفريغها من مؤسساتها المهنية الحقيقية، تصبح عاجزة عن ضبط السلاح أو احتواء الصراع أو إنتاج تسوية سياسية مستقرة. ليس ذلك قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسياسات طويلة الأمد.
لكن في المقابل، فإن تحميل طرف واحد وحده مسؤولية كل تعقيدات الحاضر دون تفكيك شامل لبنية الأزمة، يبقى تبسيطًا مخلًا. فالمشكلة لم تعد مجرد “نظام سابق”، بل شبكة مصالح ممتدة، وتداخلات داخل مؤسسات الدولة، وانهيار في العقد الاجتماعي نفسه.
إن المطلوب اليوم ليس خطاب الكراهية ولا الدعوات الانتقامية، بل مساءلة سياسية وقانونية جادة، تقوم على:
تفكيك شبكات التمكين داخل مؤسسات الدولة. محاسبة قانونية عادلة لكل من ثبت تورطه في الفساد أو الانتهاكات، دون انتقام أو تصفية. إعادة بناء الخدمة المدنية والعسكرية على أسس مهنية لا حزبية. فتح مسار عدالة انتقالية حقيقي يعالج جراح الماضي دون أن يعيد إنتاجه.
إن استمرار السودان في دوامة “الشيطنة السياسية” لن يقود إلا إلى مزيد من الانقسام. فالدول لا تُبنى على الإقصاء الكامل، ولا تُدار بثقافة الثأر، بل بالمحاسبة العادلة وبناء المؤسسات.
قد يبدو الطريق طويلاً ومُرهقًا، لكن البديل واضح: استمرار الانهيار، وتفكك الدولة، وتحول الصراع السياسي إلى نزيف مفتوح لا نهاية له.
إن لحظة الحقيقة التي يمر بها السودان اليوم لا تحتمل المزيد من الوهم السياسي، بل تتطلب شجاعة الاعتراف، وشجاعة الإصلاح، وشجاعة القطع مع كل ما قاد إلى هذا الخراب… دون تبرئة، ودون شيطنة، ولكن أيضًا دون نسيان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.