في تطور لافت يعكس تحوّلًا في مسار المواجهة مع شبكات النظام السابق، أعلنت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة استئناف أعمالها رسميًا بعد فترة من التوقف، عبر عدة مؤتمرات صحفية، كان آخرها المؤتمر الذي انعقد أمس في نيروبي بحضور عدد من الصحفيين السودانيين، مؤكدة دخولها مرحلة جديدة تستهدف البنية المالية لنظام الثلاثين من يونيو، مع رصدها لحركة الأموال التي تحولت من السودان إلى الخارج على خلفية اندلاع حرب 15 أبريل 2023.
ولا يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها عودة إدارية تقليدية، بل باعتبارها انتقالًا إلى نموذج عمل متقدم يقوم على “لجنة خبراء” ذات طابع عابر للحدود، بعد دمجها مع لجنة استرداد الأموال من الخارج التي نشطت خلال الفترة الانتقالية، بما يوسّع نطاق عملها ليشمل تتبع الأصول وتحركات الأموال خارج البلاد.
وكشف محمد الفكي سليمان، رئيس اللجنة، أن استئناف النشاط سبقه عمل مكثف في جمع البيانات وبناء قواعد معلومات دقيقة، مشيرًا إلى أن اللجنة باتت تعتمد على خبرات قانونية واقتصادية ودبلوماسية تمكّنها من التواصل مع مؤسسات مالية دولية وتعقّب الشبكات المرتبطة بتمويل النزاع.
وتركّز اللجنة في مرحلتها الحالية على ما تصفه بالجرائم المالية المرتبطة بالحرب، وعلى رأسها تتبع مصادر تمويل العمليات القتالية، ورصد شبكات نقل الأموال عبر واجهات تنظيمية، وملاحقة مظاهر الثراء المرتبط بالحرب، إلى جانب تفكيك البنى الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق. وأكد الفكي أن اللجنة تمثل أداة لحماية الدولة من الانهيار المالي المؤسسي، في ظل ما وصفه بتمدّد شبكات فساد عابرة للحدود.
من جانبه، أوضح صلاح مناع أن استرداد الأموال لم يعد مجرد استحقاق قانوني، بل تحوّل إلى وسيلة مباشرة للحد من استمرار الحرب، عبر تجفيف مصادر تمويلها، مشيرًا إلى أن اللجنة وضعت خطة متعددة المحاور تقوم على حصر شامل للواجهات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق، وتعزيز التعاون مع الجهات الدولية الرقابية، وملاحقة المنصات الإعلامية الممولة للتحريض، إلى جانب فرض قيود قانونية على التعامل مع الشبكات المشبوهة، وتحذير المؤسسات المالية من مخاطر الامتثال.
وفي السياق ذاته، كشفت تقارير مرتبطة بعمل اللجنة عن شبهات داخل القطاع المصرفي، حيث أشارت إلى استخدام بعض المؤسسات في تقديم تمويلات دون ضمانات لشركات واجهة، إلى جانب تسهيل عمليات تصدير الذهب خارج القنوات الرسمية، ما أسهم في تدوير الأموال لصالح شبكات مرتبطة بالحرب. كما وجّهت اللجنة تحذيرات للبنوك الدولية بضرورة مراجعة تعاملاتها مع المؤسسات المالية السودانية، تفاديًا لأي مساءلة قانونية مستقبلًا.
وعلى صعيد آخر، أشارت اللجنة إلى استمرار نشاط ما وصفتها بـ”الدولة الموازية” داخل بعض المؤسسات الحكومية، خاصة في وزارة الخارجية، حيث تم رصد عودة عدد من الدبلوماسيين المرتبطين بالنظام السابق إلى مواقعهم. كما حذّر وجدي صالح من تنامي ظاهرة الواجهات المالية الجديدة التي ظهرت خلال الحرب وحققت ثروات سريعة، مؤكدًا أن اللجنة تعمل على تتبع أصولها داخل وخارج السودان.
وأكدت اللجنة امتلاكها أرشيفًا واسعًا من الوثائق المرتبطة بالنظام السابق، يتضمن معلومات حول شبكات التمكين وآليات اتخاذ القرار داخل مؤسساته، كما كشفت عن تمويل عدد من المنصات الإعلامية لبث خطاب الكراهية والتحريض، معتبرة أن هذه الأنشطة تمثل جزءًا من منظومة دعم استمرار الحرب.
وفي ختام آخر مؤتمر صحفي، شددت اللجنة على أنها تعمل باعتبارها مؤسسة ذات طابع ثوري تستمد شرعيتها من مطالب التغيير، مؤكدة استمرارها في ملاحقة شبكات الفساد وتمويل الحرب، ومعتبرة أن تفكيك البنية المالية للنظام السابق يمثل خطوة أساسية في استعادة الدولة وتهيئة الظروف لانتقال مدني ديمقراطي.
وفي ظل هذا التحرك، تبدو معركة تفكيك البنية المالية للنظام السابق أكثر تعقيدًا وتشابكًا، خاصة مع امتداداتها الإقليمية والدولية. ومع ذلك، فإن استئناف عمل اللجنة بهذه الصيغة الجديدة يعكس محاولة لإعادة توجيه الصراع من ميادين القتال إلى مسارات الضغط المالي والقانوني، بما يحدّ من قدرة شبكات الحرب على الاستمرار.
ويبقى نجاح هذه الجهود مرهونًا بمدى قدرة اللجنة على بناء شراكات دولية فاعلة، وفرض معايير رقابية صارمة، إلى جانب توفر الإرادة السياسية لاستكمال مسار تفكيك التمكين، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لاستعادة الدولة وكسر حلقة النزاع المستمرة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.