خطاب مناوي تحت المجهر: مخاوف من تحويل الحرب إلى صراع اجتماعي في دارفور

تقرير: عين الحقيقة

أثار تسجيل صوتي بثه حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، موجة واسعة من الجدل السياسي والمجتمعي في الإقليم، بعد أن خاطب فيه أبناء قبيلة الزغاوة بلغة الأم، داعيًا من وصفهم بـ«من تبقوا على قيد الحياة إلى الاستعداد للدفاع عن النفس في مواجهة قوات الدعم السريع، في سياق الحرب الدائرة منذ أكثر من عامين.

في رد مباشر، من حركة تجمع قوى تحرير السودان في بيانًا مطولًا، وقعه القيادي بالقوة المشتركة إسماعيل محمد إسماعيل أبوه، وجّه فيه رسالة سياسية حادة إلى مناوي، وأخرى إلى مواطني دارفور عامة، ودار زغاوة على وجه الخصوص..

التسجيل، الذي انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فُسّر من قبل قطاعات سياسية وعسكرية باعتباره خروجًا عن خطاب الحرب النظامية، ومحاولة لنقل الصراع من مستواه العسكري إلى مستوى اجتماعي–قبلي بالغ الخطورة، في إقليم أنهكته صراعات الهوية والسلاح وتداعيات النزوح واللجوء.

وفي رد مباشر، من حركة تجمع قوى تحرير السودان في بيانًا مطولًا، وقعه القيادي بالقوة المشتركة إسماعيل محمد إسماعيل أبوه، وجّه فيه رسالة سياسية حادة إلى مناوي، وأخرى إلى مواطني دارفور عامة، ودار زغاوة على وجه الخصوص، محذرًا من مخاطر الزج بالمدنيين في حرب لا تخصهم.

البيان، الذي اطلعت عليه «عين الحقيقة»، استهلّ بتثمين المسيرة النضالية لمناوي، والاعتراف بما وصفه بـ«التضحيات الجليلة» التي قُدّمت عبر سنوات من الكفاح المسلح، لكنه انتقل سريعًا إلى انتقاد مضمون التسجيل الصوتي، معتبرًا أن دعوة الاستعداد القبلي، رغم أنها تُطرح تحت لافتة «الدفاع عن النفس»، جاءت «في التوقيت الخطأ والمكان الخطأ».

ويرى إسماعيل أبوه أن الحرب الجارية ليست حرب قبيلة ضد أخرى، بل صراع عسكري يجب أن يظل محصورًا في نطاق القوات المسلحة والقوات المشتركة والقوى التي اختارت القتال طوعًا، مشددًا على أن المدنيين، بمن فيهم سكان دارفور، «غير معنيين بالحرب إلا بقدر ما يتطوعون بإرادتهم.

أحد أهم محاور بيان تجمع قوى تحرير السودان تمثل في محاولة واضحة لإعادة رسم الخط الفاصل بين المقاتل والمدني. إذ شدد التجمع على أن واجب حماية المواطنين وصون أعراضهم يقع على عاتق القوات المنظمة، لا على كاهل الأهالي..

أحد أهم محاور بيان تجمع قوى تحرير السودان تمثل في محاولة واضحة لإعادة رسم الخط الفاصل بين المقاتل والمدني. إذ شدد التجمع على أن واجب حماية المواطنين وصون أعراضهم يقع على عاتق القوات المنظمة، لا على كاهل الأهالي، محذرًا من تحميل المجتمعات المحلية كلفة قرارات عسكرية أو سياسية.

وفي رسالة مباشرة لأهل دار زغاوة، قال أبوه إنهم «أدرى بشؤونهم»، داعيًا إياهم إلى اتخاذ ما يرونه مناسبًا لحماية أنفسهم وأرضهم، دون الانجرار خلف دعوات تعبئة قد تفضي إلى معارك اجتماعية واسعة النطاق، تعيد إنتاج دوائر العنف الأهلي التي عانى منها الإقليم لعقود.

وفي هذا الصدد، انضم نهار عثمان نهار، الأمين السياسي السابق لحركة العدل والمساواة بقيادة اللواء بخيت دبجو، إلى دائرة المنتقدين لخطاب مناوي، معتبرًا أن الدعوة الموجّهة للأهالي في دار زغاوة، رغم تسويقها بوصفها «دفاعًا عن النفس»، تتجاهل بشكل كامل اختلال موازين القوى على الأرض.

وقال نهار عثمان إن حماية الأرض حق طبيعي من حيث المبدأ، لكنه شدد على أن هذا الحق، في ظل واقع عسكري مختل، يتحول إلى «انتحار جماعي» عندما يُطلب من المدنيين مواجهة مليشيات ثقيلة التسليح بإمكانات بدائية. وتابع قائلاً إن الدعوة لمواجهة الدعم السريع بالكلاش وعلى ظهور الإبل والخيول لا تمثل بطولة، بل تحميلًا للناس ما لا طاقة لهم به.

انتقد نهار ما وصفه بابتعاد مطلقي هذه النداءات عن الميدان، مشيرًا إلى أن حضورهم اختُزل في بيانات وتصريحات، بينما يُطلب من المدنيين دفع الثمن الكامل بأرواحهم، في وقت توجد فيه قوى مسلحة منظمة خارج الإقليم تقاتل في جبهات أخرى

وانتقد نهار ما وصفه بابتعاد مطلقي هذه النداءات عن الميدان، مشيرًا إلى أن حضورهم اختُزل في بيانات وتصريحات، بينما يُطلب من المدنيين دفع الثمن الكامل بأرواحهم، في وقت توجد فيه قوى مسلحة منظمة خارج الإقليم تقاتل في جبهات أخرى، تاركة المناطق المهددة بلا حماية حقيقية.

وأثار نهار عثمان تساؤلات بشأن ما اعتبره ازدواجية في التعامل مع موازين القوى، متسائلًا: «لماذا كان الانسحاب خيارًا عقلانيًا في بابنوسة وهجليج عندما مالت الكفة للدعم السريع، بينما يُطلب هنا من المدنيين الوقوف في وجه المدافع؟». وأضاف أن الدعوة للدفاع الذاتي في ظل اختلال كامل في ميزان القوى «ليست شجاعة، بل هروب من المسؤولية»، مؤكدًا أن المسؤول الحقيقي هو من يبحث عن مسارات تقلل الخسائر وتحفظ أرواح المدنيين، حتى وإن كانت تلك الخيارات مؤلمة سياسيًا.

تحذيرات القيادي اسماعيل ابوه من تجمع قوى تحرير السودان ونهار عثمان تلتقي مع مخاوف أوسع عبّرت عنها قوى مدنية وسياسية في الإقليم، ترى أن عسكرة المجتمعات المحلية تمثل أحد أخطر مآلات الحرب الحالية، خاصة في ظل انهيار مؤسسات الدولة وغياب أي منظومة حماية للمدنيين. ويشير مراقبون إلى أن تحويل الصراع إلى مواجهة اجتماعية–قبلية من شأنه تفكيك ما تبقى من النسيج المجتمعي في دارفور، وفتح الباب أمام موجات عنف ممتدة يصعب احتواؤها مستقبلًا.

يبقى الجدل حول خطاب مناوي ودعوة الاستنفار مفتوحًا على احتمالات متعددة، في وقت تتعقّد فيه الحرب وتتشابك مساراتها العسكرية والاجتماعية. وبين خطاب التعبئة والتحذير من الانزلاق، يقف المدنيون في دارفور مرة أخرى أمام اختبار قاسٍ، في حرب لم يختاروها، لكنهم يدفعون كلفتها الأكبر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.