اقتصاد تحت وطأة الحرب
يكشف المشهد الاقتصادي في السودان خلال عام 2025 عن واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث في ظل استمرار النزاع المسلح وانعكاساته المباشرة على معيشة المواطنين.
تشير أحدث تقارير مجموعة البنك الدولي إلى أن الحرب أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية وتعطيل النشاط الإنتاجي ما جعل أي مؤشرات إيجابية للنمو تبدو محدودة الأثر على أرض الواقع.
خبراء يشككون في دلالات النمو
خبير الاقتصاد الكلي الدكتور محمد إبراهيم يرى أن هذا النمو نظري أكثر منه فعلي.
ويقول إن زيادة الناتج لا تعكس تحسنا في مستويات المعيشة بل ترتبط بإعادة تشغيل جزئي لأنشطة متوقفة وليس بتوسع إنتاجي مستدام.
اتساع رقعة الفقر وتآكل سبل العيش
على صعيد الأوضاع الاجتماعية تكشف الأرقام عن اتساع غير مسبوق في رقعة الفقر.
إذ ارتفعت نسبة من يعيشون بأقل من 3 دولارات يوميا من 23 بالمئة في عام 2022 إلى 59 بالمئة في عام 2024.
كما يتوقع البنك الدولي أن تبلغ نسبة السكان تحت خط الفقر الدولي 57 بالمئة في عام 2025.
البطالة انفجار صامت في سوق العمل
ويربط الخبير في قضايا التنمية عبد الله حسن بين هذا التدهور وغياب سوق العمل الفاعل.
ويشير إلى أن تقديرات غير رسمية لمنظمات دولية تتوقع وصول معدل البطالة إلى نحو 55.7 بالمئة خلال عام 2025.
ويؤكد أن البطالة في السودان لم تعد مرتبطة فقط بتوقف المشاريع بل بانهيار كامل لدورة الاقتصاد المحلي في مناطق واسعة.
أزمة الديون والاختلالات المالية
أما على المستوى المالي فتواجه الدولة عبئا ثقيلا من الديون.
حيث يتوقع أن يبلغ الدين العام نحو 138.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 رغم تراجعه الطفيف عن العام السابق.
التضخم ينهك القوة الشرائية
كما يظل التضخم أحد أكبر التحديات إذ يتوقع أن يسجل 101 بالمئة خلال العام بعد أن بلغ 170 بالمئة في 2024.
وتوضح الخبيرة المصرفية سارة عثمان أن تراجع التضخم لا يعني تحسنا حقيقيا في القوة الشرائية.
وتقول إن الأسعار لا تزال عند مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر خاصة في ظل انهيار الدخول وندرة فرص العمل.
نزوح واسع وأمن غذائي مهدد
الآثار الإنسانية للأزمة لا تقل حدة عن المؤشرات الاقتصادية.
فقد أدى النزاع إلى موجات نزوح واسعة مع زيادة عدد النازحين داخليا بنسبة 14 بالمئة في منتصف 2025 مقارنة ببداية العام.
كما يعاني نحو نصف السكان من ضعف أو حدودية في الاستهلاك الغذائي مع تزايد معدلات سوء التغذية في المناطق المتأثرة بالحرب.
إجراءات حكومية محدودة الأثر
وفي محاولة للحد من الانهيار أطلقت وزارة المالية مبادرات لتحصيل الإيرادات إلكترونيا.
كما اتخذ البنك المركزي خطوات لاستبدال العملة في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة.
لكن خبراء يرون أن هذه الإجراءات تظل محدودة الأثر في ظل غياب الاستقرار الأمني والسياسي.
مخاطر سياسية تعرقل التعافي
ويرى المحلل الاقتصادي خالد التجاني أن أي حديث عن تعاف اقتصادي سيظل مؤجلا ما لم يتوقف النزاع.
ويحذر من أن استمرار الصراع وظهور هياكل حكم موازية قد يفتح الباب أمام عقوبات دولية جديدة تزيد عزلة السودان.
السلام كشرط أساسي للإنقاذ الاقتصادي
يواجه السودان في عام 2025 أزمة مركبة تتداخل فيها الحرب مع الاقتصاد لتنتج واقعا اجتماعيا شديد القسوة.
ورغم بعض المؤشرات الإحصائية على النمو فإن الفقر والبطالة والتضخم والنزوح تشكل الصورة الحقيقية للاقتصاد.
ويجمع الخبراء على أن السلام وعودة الاستقرار يظلان الشرط الأساسي لأي تعاف اقتصادي حقيقي ومستدام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.