مع كل عامٍ جديد، تتزاحم برقيات التهاني، وتتكرر العبارات ذاتها: عام سعيد، أمل متجدد، مستقبل أفضل. كلمات جميلة، لكنها في بلادٍ أنهكتها الحرب تصبح أثقل من مجرد مجاملة، وأكثر عمقًا من طقسٍ عابر. ونحن ندخل عام 2026، لا نقف فقط على عتبة سنة جديدة، بل عند مفترق تاريخي، بعد ثلاثة أعوام كاملة من حربٍ مزّقت الوطن، وأرهقت الإنسان، وغيّرت ملامح الحياة إلى الأبد.
منصة وقناة عين الحقيقة لا تستقبل العام الجديد بترف الأمنيات، ولا تكتفي بزينة الكلمات. نستقبله بذاكرةٍ مثقلة، وبقلبٍ يعرف حجم الألم، وبوعيٍ لا يسمح بتزييف الواقع ولا بالقفز فوق الجراح. ثلاث سنوات مرّت، ولا تزال بلادنا تدفع فاتورة الحرب من دماء أبنائها، ومن استقرار مجتمعها، ومن مستقبلها المؤجّل.
يأتي عام 2026، والسودانيون موزعون بين نازحٍ داخل وطنه، ولاجئٍ في المنافي، ومحاصَرٍ في مدنه وقراه، ومنتظرٍ لخبرٍ قد لا يأتي. يأتي وأصوات المدافع لم تصمت بعد، والبيوت لم تُرمَّم، والأحلام لم تعد إلى أصحابها. ومع ذلك، فإن هذا الشعب – كما عرفناه دائمًا – لم يفقد قدرته على التمسك بالحياة، ولا رغبته العميقة في السلام.
لسنا من أولئك الذين يروّجون للأمل الساذج، ولا نؤمن بأن السنوات تتغيّر تلقائيًا بمجرد تبدّل الأرقام. لكننا نؤمن أن الأمل الحقيقي يولد من الاعتراف بالحقيقة، ومن مواجهة أسباب الخراب، لا من الهروب منها. والسلام الذي نحلم به في هذا العام الجديد ليس شعارًا للاستهلاك، بل مشروع حياة، يتطلب شجاعة سياسية، ومسؤولية أخلاقية، وإرادة وطنية لا تقبل المساومة على دماء الأبرياء.
يجب أن يكون عام 2026 عامًا مختلفًا، لا لأن الزمن تغيّر، بل لأن الوعي يجب أن يتغيّر. عامًا تُعاد فيه الأسئلة الكبرى إلى الطاولة: لماذا اندلعت الحرب؟ من المستفيد من استمرارها؟ وكيف يمكن بناء دولة لا تعود إلى دوائر العنف ذاتها؟ عامًا تُسمَع فيه أصوات المدنيين، لا أن تُدفن تحت ركام السلاح، وتُقدَّم فيه مصلحة الوطن على حساب الحسابات الضيقة.
في صحيفة وقناة ومنصة عين الحقيقة، نؤمن أن الإعلام ليس شاهدًا محايدًا على المأساة، بل طرفًا في معركة الوعي؛ معركة كشف الحقائق، وتسمية الأشياء بأسمائها، والانحياز للإنسان، لا للسلاح. ودخولنا عام 2026 هو تجديد لهذا العهد: أن نظل صوتًا لمن لا صوت لهم، ومرآةً تعكس الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى.
نأمل أن يكون هذا العام بداية مسار جاد نحو وقف الحرب، لا هدنة هشة، ولا سلامًا شكليًا، بل سلامًا يعالج الجذور، ويعيد الاعتبار للعدالة، ويضع حدًا للإفلات من العقاب. سلامًا يعيد الأطفال إلى مدارسهم، والمرضى إلى مستشفياتهم، والنازحين إلى بيوتهم، ويُعيد البلاد إلى سكة الدولة، لا إلى دروب الحرب والمعاناة والمآسي.
ندرك أن الطريق طويل، وأن العام الجديد لن يمحو تلقائيًا آثار ثلاثة أعوام من الدمار. لكننا نؤمن أن كل مسار يبدأ بخطوة، وأن كل فجر يسبقه ليل. وإن كانت لنا أمنية صادقة نستقبل بها عام 2026، فهي أن يكون عامًا لإيقاف النزيف، واستعادة العقل، وبناء أفق جديد لوطنٍ يستحق الحياة.
إلى السودانيين في كل مكان: داخل الوطن وخارجه، في المخيمات والمدن، في المنافي والقرى المنسية… هذا العام لكم؛ لحقكم في السلام، وكرامتكم، ومستقبل أبنائكم… وإلى عام 2026 نقول: لا نريدك عامًا عاديًا، بل عامًا فاصلًا… عامًا تُستعاد فيه إنسانية السودان، وتُفتح فيه نافذة حقيقية للسلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.