من سلة غذاء السودان إلى بؤرة سوء تغذية.. كيف قاد تدهور مشروع الجزيرة إلى إصابة آلاف الأطفال بالجوع؟

تقرير: عين الحقيقة

كشفت إحصاءات رسمية حديثة صادرة عن وزارة الصحة بولاية الجزيرة عن إصابة 4,320 طفلًا بسوء التغذية الحاد، إلى جانب 17,439 طفلًا يعانون من سوء التغذية المتوسط، في واحدة من أكثر الولايات السودانية خصوبة زراعيًا. أرقام صادمة تثير تساؤلات عميقة حول الأسباب الحقيقية لانهيار الأمن الغذائي في الولاية، وعلى رأسها التدهور المستمر لمشروع الجزيرة.

توقف قنوات الري، وارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية، وغياب الدعم الحكومي، أجبرت آلاف المزارعين على هجر أراضيهم، ما انعكس مباشرة على انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء..

انهيار العمود الفقري للاقتصاد المحلي

لطالما شكّل مشروع الجزيرة، منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي، العمود الفقري للاقتصاد الزراعي في السودان، ومصدر رزق مباشر لملايين المواطنين. إلا أن سنوات من الإهمال، وسوء الإدارة، وغياب التمويل، إلى جانب تداعيات الحرب الأخيرة، أدت إلى شلل شبه كامل في المشروع. توقف قنوات الري، وارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية، وغياب الدعم الحكومي، أجبرت آلاف المزارعين على هجر أراضيهم، ما انعكس مباشرة على انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء، حتى داخل القرى الزراعية نفسها.

الأطفال يدفعون الثمن

وفقًا لإدارة التغذية بوزارة الصحة، فإن المسوح الأخيرة أظهرت أن آلاف الأطفال في الولاية يعانون من سوء التغذية، رغم أن الجزيرة تُعد من أكثر الولايات إنتاجًا للغذاء تاريخيًا. وتشير الأرقام إلى أن الحملة القومية لخدمات التغذية الوقائية غطّت أكثر من المستهدفين بنسبة 115.1%، وهو ما يعكس اتساع رقعة الأزمة وليس تحسن الأوضاع. خبراء تغذية تحدثوا لـ”عين الحقيقة” أكدوا أن سوء التغذية في الجزيرة لم يعد مرتبطًا بندرة الغذاء فقط، بل بانهيار سبل كسب العيش، حيث فقدت آلاف الأسر دخلها الأساسي بعد تعطل الزراعة، ما أدى إلى عجزها عن توفير وجبات متكاملة للأطفال.

رغم نجاح بعض المحليات مثل الحصاحيصا في تحقيق نسب تغطية مرتفعة بلغت 278%، إلا أن محليات أخرى كـالقرشي سجلت أدنى نسبة بـ76%، ما يعكس تفاوتًا في الخدمات الصحية، ووجود مناطق أكثر هشاشة وتأثرًا بتدهور البنية الزراعية..

تفاوت التغطية… وأزمة أعمق

رغم نجاح بعض المحليات مثل الحصاحيصا في تحقيق نسب تغطية مرتفعة بلغت 278%، إلا أن محليات أخرى كـالقرشي سجلت أدنى نسبة بـ76%، ما يعكس تفاوتًا في الخدمات الصحية، ووجود مناطق أكثر هشاشة وتأثرًا بتدهور البنية الزراعية. ويرى مختصون أن الحلول الإسعافية مثل توزيع فيتامين “أ” أو حبوب “البنتازول” — رغم أهميتها — لا تعالج جذور المشكلة، ما لم يُعاد إحياء مشروع الجزيرة كمصدر إنتاج وغذاء ودخل.

الحرب… عامل تسريع للانهيار

ساهمت الحرب في تعقيد الأزمة، من خلال تعطيل سلاسل الإمداد، ونزوح العمالة الزراعية، وتراجع الإنفاق الحكومي على الزراعة والخدمات. وأصبحت ولاية الجزيرة، التي كانت ملاذًا غذائيًا، مستقبِلة لأعداد كبيرة من النازحين، ما زاد الضغط على الموارد المحدودة أصلًا. في ختام الحملة، دعا مسؤولون بوزارة الصحة إلى تقييم التحديات، غير أن مراقبين يؤكدون أن أي تقييم صحي دون معالجة الانهيار الزراعي سيظل قاصرًا. فالأمن الغذائي لا يُبنى بالمراكز الصحية وحدها، بل بإحياء الأرض، ودعم المزارع، وإعادة الاعتبار لمشروع الجزيرة. ما لم تتم معالجة تدهور مشروع الجزيرة كقضية استراتيجية، ستظل أرقام سوء التغذية في تصاعد، حتى في أكثر أراضي السودان خصوبة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.