من المعرفة إلى الطاعة: الإسلاميون وتخريب التعليم العالي في السودان (1/3)

عبدالعزيز أبو عاقلة

عبدالعزيز أبوعاقلة عبدالعزيز أبوعاقلة
لم يأتِ الإسلاميون إلى السلطة في السودان عام 1989 وهم ينوون فقط السيطرة على الحكم، والسلطة بل جاءوا بمشروع أشمل وأخطر: إخضاع المعرفة نفسها لمنطق الأيديولوجيا الصماء . فالدولة يمكن الانقلاب عليها، لكن الجامعة — إن بقيت مستقلة — قادرة دائمًا على إنتاج معارضة، وأسئلة، وعقول لا تنصاع بسهولة. من هنا لم يكن التعليم العالي ضحية جانبية، بل هدفًا مركزيًا في مشروع التمكين الميداني البغيض.
قبل الانقلاب، لم يكن التعليم العالي في السودان مثاليًا، لكنه كان قائمًا على منطق واضح: المنافسة، والمعيار الأكاديمي، والاستقلال النسبي عن السلطة السياسية. كمثال كانت جامعة الخرطوم وجامعة القاهرة – فرع الخرطوم تمثلان ذروة هذا النظام. لم تأتِ مكانتهما من فراغ، بل من تاريخ طويل جعل شهادتيهما مقبولتين إقليميًا ودوليًا، وجعل خريجيهما العمود الفقري للخدمة المدنية، والقضاء، والطب، والهندسة، والدبلوماسية، والتعليم نفسه. لم يكن معظم القادة السياسيين والأكاديميين من خريجي هاتين الجامعتين صدفة، بل نتيجة طبيعية لنظام تعليمي لا يفتح أبوابه إلا عبر المنافسة والشفافية .

كان دخول جامعة الخرطوم أو جامعة القاهرة بالخرطوم إنجازًا أكاديميًا حقيقيًا. القبول العام، رغم عيوبه، كان قائمًا على التفوق والمنافسة لا على المال، وعلى الجدارة لا على الانتماء. لم تكن الجامعة سوقًا، ولم تكن الشهادة سلعة، ولم يكن الأستاذ موظف ولاء. في الكليات العلمية والطبية والهندسية، كانت لغة التدريس هي لغة المعرفة العالمية، ليس بوصفها امتدادًا ثقافيًا للاستعمار، بل باعتبارها الأداة التي تُنتَج بها العلوم. ولهذا كان خريج تلك المرحلة قادرًا على مواصلة دراساته العليا في الخارج دون فجوة معرفية، وقادرًا على العمل في مؤسسات دولية دون أن يُنظر إلى شهادته بوصفها شهادة من الدرجة الثانية.

هذا الواقع هو ما جعل السؤال ضروريًا: لماذا احتاج الإسلاميون إلى ما سموه “ثورة التعليم”؟ ونحن نسميه تخريب التعليم
الإجابة لم تكن تعليمية، بل أيديولوجية. فكما تشرح هانا آرنت، حين تخضع المؤسسات التعليمية لمنطق العقيدة، تفقد وظيفتها بوصفها فضاءً للتفكير الحر، وتتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الطاعة. التعليم، في هذه الحالة، لا يعود معنيًا بتوسيع الأفق، بل بتضييقه.
أولى خطوات هذا التحول كانت التعريب الشامل والقسري للمناهج الجامعية لا في الجامعات الطرفية، بل في قلب النظام نفسه: جامعة الخرطوم، جامعة الجزيرة، وغيرها من الجامعات الحكومية الكبرى. جرى ذلك بقرارات فوقية، بلا تدرّج، وبلا إعداد، وبلا توفير مراجع علمية عربية رصينة في الطب والهندسة والعلوم التطبيقية. لم يكن التعريب هنا مشروعًا معرفيًا جادًا لتوطين العلم، بل قرارًا أيديولوجيًا استُخدمت فيه اللغة بوصفها أداة ضبط لا أداة معرفة.
في تجارب دولية كثيرة، حافظت دول ما بعد الاستعمار على لغات العلم دون أن ترى في ذلك تهديدًا لهويتها. الهند، على سبيل المثال، ورثت الإنجليزية عن الاستعمار، لكنها أبقتها في التعليم العالي والبحث العلمي، فصارت اليوم قوة معرفية عالمية. ماليزيا، رغم مشروعها الهوياتي، لم تضحِّ بلغة العلوم في جامعاتها. كوريا الجنوبية ركّزت أولًا على بناء جامعة تنافسية، ثم بنت بعدها اقتصادًا صناعيًا. أما في السودان، فقد جرى العكس: قُطعت الصلة بالمعرفة العالمية باسم الهوية، دون أن تُبنى بدائل حقيقية.
بالتوازي مع التعريب، جاءت الضربة الثانية: إدخال القبول الخاص (القبول بالمال) داخل الجامعات الحكومية، بما فيها جامعة الخرطوم وجامعة الجزيرة. هنا لم يعد الحديث عن خطأ تربوي، بل عن كسر صريح لفكرة الجامعة نفسها. لأول مرة، أصبح المال مسارًا موازياً للتفوق، وأُدخلت إلى القاعة الدراسية فجوة غير مرئية بين من جاء بالكفاءة ومن جاء بالقدرة المالية. هكذا انتقل التعليم العالي من كونه حقًا عامًا تنافسيًا إلى كونه خدمة يمكن شراؤها.
هذا التحول لم يكن معزولًا عن السياق الأيديولوجي. فكما يوضح ميشيل فوكو، المعرفة حين تُدار بمنطق السلطة، تتحول إلى وسيلة تنظيم وضبط. القبول الخاص لم يكن فقط مصدر تمويل، بل أداة لإعادة تشكيل التركيبة الاجتماعية للجامعة، وإضعاف روحها النقدية، وتهيئة الأرضية لظهور جامعات خاصة موازية بلا معايير واضحة.
مع التعريب القسري وكسر المنافسة، بدأ المعنى يتآكل ببطء. تضاعف عدد الجامعات، واتسع القبول، لكن دون توسع حقيقي في المعامل، أو البحث العلمي، أو تأهيل الكادر الأكاديمي. الأرقام ارتفعت، لكن القيمة انخفضت. لم يعد السؤال: من يستحق أن يتعلم؟ بل: كم يمكن استيعابه؟ وهنا تحققت إحدى أفكار غرامشي حول الهيمنة الثقافية: السيطرة لا تكتمل بالقوة وحدها، بل بإعادة تشكيل الوعي عبر المؤسسات التي تبدو محايدة، وعلى رأسها الجامعة.
ما جرى بعد انقلاب 1989 لم يكن إصلاحًا للتعليم العالي، بل تفكيكًا لمنطقه. لم يبدأ التخريب بالتعريب او عدم استقلالية الجامعات ولا بالفضائح التزوير الأخيرة، بل بدأ منذ اللحظة التي قررت فيها سلطة 89 أن الجامعة يجب أن تخضع، لا أن تناقش؛ أن تُدرّس العقيدة، لا أن تنتج المعرفة؛ وأن تفتح أبوابها بالولاء والمال، لا بالمنافسة.
في هذا المعنى، لم تكن “ثورة التعليم” إلا اسمًا مخففًا لعملية أعمق: تحويل المعرفة إلى طاعة. وما سيأتي لاحقًا — من تشريد وفصل الأساتذة الوطنيين وتسييس الإدارة الجامعية، والجامعات الموازية، وصولًا إلى التزوير الأكاديمي — لم يكن انحرافًا عن المسار، بل استكمالًا منطقيًا له . حين تُربَط الجامعة بالأيديولوجيا، لا تُنتَج المعرفة… بل تُصنَّع الطاعة، ويُغتال المستقبل بهدوء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.