طيف أول:
المسافة بينهم مقدار ساعة مضطربة،
تلك التي تفصلهم عن حلمهم ولحظة الارتطام.
وأخطر الشروط على طاولة الفريق عبد الفتاح البرهان هو طلب مستشار ترامب، مسعد بولس، منه” ضرورة تقليص نفوذ الإسلاميين” ، وهو ما لم يستطع الجنرال فعله ولو سلك له سبيلاً، فنفوذ الإخوان في تزايد واضح على شاشة الحرب التي يراقبها مسعد بولس عن بُعد.
فالطلب الذي قدّمته كتائب البراء للبرهان بوضع يدهم على العاصمة الخرطوم وافق عليه الجنرال، والآن تمّ تسليمهم مفتاح العاصمة الخرطوم، وهو ما يعني تسليمهم البلاد ؛ فالخرطوم هي مركز القرار السياسي والاقتصادي. كما أن ظهور قائد البراء الأخير في ولاية الجزيرة هو محاولة لإظهار القوة بعد إكمال صفقة الخرطوم، ومع ذلك فهي خطوة متعمّدة لتبيان سيطرتهم على الأرض ، بقصد واضح لإحراج البرهان دولياً بأنه لا يملك قرار الهدنة
لكن يقفز السؤال: ما هو أقوى ما يمكن أن تفعله أمريكا إذا لم يلتزم البرهان بإبعاد الإسلاميين؟!
فالولايات المتحدة الأمريكية قد تضع ما يمكن تسميته بالمسار البديل الذي تعتمد عليه الآن لطالما لُدغت من “جحر الجنرال” مرات،
وهو المسار الذي سيكون له تأثير مباشر.
أنها ستعمل أولاً على نزع الشرعية السياسية منه كشريك في الحل بحجة فقدانه حظه في التفاوض ، وأنه لا يمكن الاعتماد عليه في أي تسوية، وهي بداية سحب البساط كخطة مقابلة لعجزه عن التخلص من الإسلاميين، مع تقديم أطراف أخرى تلعب الدور الذي كان منوطاً بالبرهان أن يلعبه.
أي إن أمريكا ستفتح الباب لمسار «ما بعد البرهان» دون إعلان ذلك صراحة، ومن ثم تطرح عوامل الضغط التي تغيّر قواعد اللعبة جذرياً.
كيف!!
فقد تتجه إلى تعزيز ضباط آخرين أكثر قابلية للسيطرة على المؤسسة العسكرية، والعمل على فتح قنوات مع قيادات عسكرية من داخل المؤسسة لا علاقة لها بالإسلاميين، مما يخلق توازنا داخل المؤسسة ،أمراً يضعف البرهان ويجبره على التنازل. وهذا السيناريو حدث في دول أخرى عندما فشل قادتها في تنفيذ الشروط الدولية.
وإيجاد إجابة لسؤال قد يحاصر به القارئ الحروف ،يبقى ضرورة واجبة:
هل توجد شخصية عسكرية تصلح لقيادة الجيش السوداني ولا علاقة لها بالإسلاميين؟
الإجابة هي أن ثمة فرقاً كبيراً بين شخصية عسكرية من داخل المؤسسة العسكرية وشخصية عسكرية من داخل الجيش.
فالمؤسسة العسكرية السودانية ينتمي إليها عشرات الضباط الأحرار الذين هم خارج الجيش الآن وخارج الوطن، أُبعدوا بالفصل والإعفاء من قبل الإسلاميين، ولكنهم ينتمون للمؤسسة العسكرية ولديهم خبرات عسكرية دولية عالية. فقد تستعين بهم خطة الحل استناداً إلى خبراتهم في صياغة الترتيبات العسكرية والأمنية، ودعمهم للعب دور جوهري داخل مسار إصلاح المؤسسة، ومع ذلك استخدامهم في تشكيل نواة لقيادة عسكرية جديدة.
لهذا قد تتجه أمريكا لتقديم الدعم لهم كبدائل محتملة في المرحلة الانتقالية
وستقدم هذه القيادات السودانية العسكرية الخالصة من الخارج بدعم دولي عندما تتوفر اللحظة السياسية المناسبة داخل السودان.مثلا ربما تبحث امريكا في أغوار المؤسسة عن شخصية عسكرية بموصفات أبي أحمد ، عسكرية مرنة بعقلية مدنية تحترم الديمقراطية وتواكب التغيير تصلح لقيادة الجيش وليس لها أطماع سياسية في الحكم
فإذا كان الداخل مغلقاً بالكامل أمام أي قيادة غير إسلامية، فإن التغيير لن يأتي من الجيش، بل من فضاء المؤسسة العسكرية الذي يعجّ بأصحاب العقيدة الوطنية العميقة
فإعادة تشكيل المؤسسات بعد الحروب أمر درج عليه المجتمع الدولي، كما أن إعادة بناء كاملة للجيش السوداني هي نص موجود في مسودة الحل بعد وقف إطلاق النار.
لذلك فإن عملية التغيير العسكري غير المباشر قد تكون أمراً وارداً في ذهنية صاحب القرار الدولي.
فهذا الاتجاه عادة ما يبدأ بالضغط السياسي، والعزلة الدولية، ونزع الثقة، ومن ثم دعم بدائل داخلية جاهزة.
ولأن الداخل لن تكون فيه بدائل صالحة، فالنظر في الشخصية السودانية العسكرية المهاجرة قد يكون هو الذي يسرق العين الآن من الداخل العسكري.
فإن قبض البرهان على يد الإسلاميين أو أفلتها، إن وافق على السلام او رفضه فيبدو أن قطار الحل سيتجاوزه.
فأمريكا ستجد عدة مبررات ، أولها أن القيادة العسكرية فقدت الثقة الدولية، مع وجود نفوذ إخواني تعتبره واشنطن عقبة تتسبب مباشرة في حرب طويلة تستنزف الجميع وتخلق مساحة معاناة جرحها «يلتهب» يوماً بعد يوم.
لهذا لن تتردد في البحث عن كتلة مهنية بديلة من خارج دائرة الحرب والجغرافيا لتتجاوز بها العقبة العسكرية، طالما أنها ترى أنها أقرب بحلها السياسي لمعارضة سياسية تضغط خارجياً بقوة، وهو ما يدفعها لتلبية حاجتها في تقديم الدعم الدولي لتكتمل رؤية الحل العسكري والسياسي .
طيف أخير:
وصل إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أمس، وفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، برئاسة رئيس التحالف ورئيس مجلس وزراء حكومة الثورة عبد الله حمدوك، وذلك تزامناً مع انعقاد القمة السنوية للاتحاد الأفريقي التي تتواصل أعمالها خلال الأيام الجارية.
مايؤكد أن القوى المدنية مازالت تتقدم 6/صفر في سباق الحضور الدولي على الحكومة الانقلابية في نهاية” المونديال السياسي”.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.