♦️المتأمل في المشهد السياسي لا يحتاج كبير اجتهاد من استدراك ان لعقل السياسي لجيل التسعينات هو المتحكم في مسارات الصراع السياسي الحالي وبالتالي من أجل إحداث اختراق إيجابي نحتاج لتفكيك تركيبة هذا العقل من خلال تحليل طبيعة الظروف التي تخلق فيها والعوامل التي شكلت هويته ومحدداته ،،،
♦️تكون العقل السياسي لجيل التسعينات تحت ضغط الصراع لمقاومة النظام الدكتاتوري الذي أنتجه انقلاب الجبهة الإسلامية على النظام الديمقراطي في ٣٠/يونيو ١٩٨٩ الذي أفرغ الدولة السودانية على اختلالاتها التاريخية من مضمونها التعاقدي المؤسسي وحولها لمشروع سلطوية لصالح فئة اجتماعية محدودة،،،
♦️فابتداءا اعتمد نظام الإنقاذ الشمولي على القمع كوسيلة لاخصاء العقل الطلابي وكبح حالة التعدد الفكري والسياسي والثقافي في المنابر الطلابية ،،،
♦️قوبل هذا المسلك القمعي ومحاولة فرض التوجه الجديد بمقاومة شرسة قابلها النظام بالعنف المادي والرمزي من أجل قمع العقل الحر للتيارات السياسية والثقافية والاجتماعية والأكاديمية في الجامعات والمعاهد العليا،،،
♦️ومن أجل الوصول لأهدافه عمد النظام على تسويق خطاب سياسي مدجج بالعنف اللفظي ومؤسس على تكثيف حالة التخوين السياسي ووصم معارضيه الأحرار بالعمالة واللاوطنية والتماهي مع الخارج ،،،
♦️لم يكتف النظام بالاعتماد على عناصره الطلابيه في الجامعات لإدارة معركته في منابرها بل وظف كل نفوذه السلطوي والأمني والاستخباراتي والإعلامي الرسمي لهندسة المجال السياسي والثقافي والاجتماعي في الجامعات والمعاهد العليا وتشكيل الذهن العام بمفاهيم مشوشة بالخبث حيث تقاس قيمة الوطنية بثيرمومتر الولاء الفكري لمشروع النظام السياسي الجديد،،،
♦️هذا المسلك الموغل في التردي والبؤس أنتج خطاب مقاومة موازي له في مقدار العنف اللفظي والصلابة في الصمود في مواجهة العنف المادي واصبحت منابر الجامعات أشبه بكونها ساحة حرب بفعل تمكن حالة العنف ومدابرات الصراع الفكري والسياسي المحتدم،،،
♦️في هكذا مناخ مشوش بالعنف والتخوين واعمال ادوات الصراع غير الأخلاقي من قبل النظام الدكتاتوري تخلق العقل السياسي لجيل التسعينات والذي تأثر ايضا بموروث الممارسة السياسية الطويلة التي ارستها تجارب الأجيال المتعاقبة في مواجهة إرث الاستبداد،،،
♦️وبفعل سطوة خطاب جيل التسعينات الذي أنتجته تجربة الصراع السياسي العنيف تشكل خطاب سياسي جديد وسلوك في الممارسة السياسية امتد تأثيره للجيل السياسي الحالي الذي يتصدر المشهد اليوم من خلال منابر التعبير العام المختلفه،،،
♦️اولى التجليات البارزه الموسوم بها العقل السياسي لجيل التسعينات انه عقل منهك بالصراعات تتحكم فية الخصومة والعداوة مع الآخر المختلف، وبفعل التركيز المفرط في الخصومات والعداوات أصبح هذا العقل عاجز عن إنتاج الحلول،،،
♦️ولذلك لم يكن مستغربا أن تنتج هكذا فواعل و عوامل عقلا لا يمتلك طاقة المرونة على تجاوز الخلافات والصراعات متصلب دوما على مواقف تفقده القدرة على التعاطي مع المستجدات والمتغيرات وغير مدرك لخطورة التدابر بلا أفق للحلول على حاضر الوطن ومستقبله،،،
♦️وبالنظر لتجربة هذا العقل في تدبير قضايا الثورة والتغيير وتجربة الانتقال الديموقراطي بكافة تغلباتها ومنعطفاتها التي أنتجت حالة الاحتراب الدموي المأساوي التي نعايشها الآن وبعد كل هذا التجارب القاسية وبالمتأمل في الخطاب السياسي والمواقف التي يصدرها هذا الجيل عبر مختلف المنابر والتوجهات سيصل لحقيقة مفادها أن طبيعة التكوين طاقية على منهج التفكير السياسي فلا زال هذا العقل وبرغم قساوة التجارب منغلقا ومضطربا ومتحبلا في ذات نمط التفكير الطلابي ولا ينظر إلا ابعد من قدميه كتجسيد طبيعي لحالة الاختلال الإدراكي والمعرفي لهذا العقل المنكفئ على الصراع والعاجز عن التغيير في شروط ممارسة الفكر السياسي وتوسيع فضاءات القول بالفعل،،،
♦️وليست ادل على حالة العجز والانسداد البنيوي واضطراب تفكير جيلنا من حيرتنا بعد إسقاط النظام ما إذا كنا نتطلع لمشروع دولة تُبنى بوصفها مُلكاً عاماً لكافة فئات الشعب من خلال تعزيز حالة التفويض بتوسيع قاعدة الرضا الشعبي ،أم نحافظ على هندسة الدولة كامتياز خاص مغلق على من يمسكون بمقاليد السلطة وللأسف رجحنا الخيار الاكثر بؤسا بالحفاظ على ذات شكل وتقاليد وتراتيب الدولة التي تركها النظام الدكتاتوري وشابهناه حتى في محاكاة وتثبيت منهج القمع كوسيلة للتغيير الثوري،،،
♦️كل هذه الممارسات وطرائق التفكير تدلل على العجز وعدم القدرة على الخروج من الأزمات المتناسلة ومغادرة دورات العنف والصراع التي تغذيها حالة عدم اعمال ادوات النقد لتحرير العقل السياسي من عيوبه وما علق به من قصور وضيق أفق في التفكير والتعاطي السطحي والانفعالي مع القضايا السياسية الوطنية التي تحتاج لوعي ادراكي معرفي فوق مستوي الصراع السياسي التناحري المدفوع بنشوة الرغبة في الانتصار كحالة لتسلية الذات تحت قاعدة أما أن تربح انت او يخسر خصمك دون وجود مكاسب مشتركه،،،
♦️ايضا العقل السياسي لجيل التسعينات من محمولاته السلبيه التي رسختها معطيات التكوين انه عقل اقصائي يميل للحوار مع المؤتلف ويرفض ويتسبعد التواصل مع المختلف فى الرؤية والرآى حتى في إدارة الخلافات التكتيكية يتجلى عجزة انظر فقط “لحالة العجز عن توحيد القوى الرافضة للحرب حول مشروع موحد” فبالكاد يتبدى لك أنه ليست عقلًا حواريا قادر على إنتاج التسويات والمساومات من خلال الانخراط فى عمليات حوارية تنتج حلول عملية وواقعية للأزمات وانما يفضل الحلول الجاهزة المصدرة من الخارج بغض النظر عن موائمتها لحقائق الواقع على الارض،،،
♦️فمثلا نحن نعيش الآن اسوأ اشكال الحروب في التاريخ التي أنتجتها حالة الصراع على السلطة بفعل إصرار عناصر النظام البائد على إستعادة دورها الوظيفي وهندسة الدولة كأمتياز مغلق عليهم وحدهم عبر اذرعهم في الأجهزة العسكرية والأمنية والذين يقودون خيار العودة هم ذات جيل التسعينات،وفي سبيل هذا الهدف يتشبثون بالحرب كخيار جنوني يمكنهم من ممارسة استبدادهم القديم بأدوات جديدة ويمانعون أي مبادرات أو حلول تقصيهم من المشهد،،،
♦️وفي المقابل لا نحتاج كبير اجتهاد لاستدراك أن استمرار الحرب سينتج معادلة أكثر سوءا لأن خطاب الحرب الحالي بكل أبعاده وأطرافه يؤسس لتحول الدولة من إطار موحد تدار فيه شئون عامة اهل السودان لأمتياز مقسم مخصص لقادة الحرب ،،،
♦️فالواضح جدا إن مشاريع الحرب عند الطرفين تذهب الآن في اتجاه الإطاحة بسلطة الدولة الموحدة لصالح سلطة الفرد المطلقة كأمتياز تخصيصي مقسم بين البرهان في الشرق وحميدتي في الغرب،،،
♦️للخروج من هذا المأزق المأساوي نحتاج لمراجعات فكرية وسياسية تطال منهج وأدوات تفكيرنا لتفضي لتأسيس سياسي جديد ،ولن يتأتي ذلك إلا من خلال مساومات كبرى تمكننا من تفكيك الإرث السلطوي لدولة الفئة لصالح دولة المجموع ويعيد تعريف الدولة كفكرة عامة وليست مشروع ايديولوجي أو اقطاعي لفئات اجتماعية محددة تحتكر هوية السلطة لصالحها،،،
♦️ولاجل بلوغ هذا المشروع نحن في حاجة ماسة لاستدعاء العقلانية لادارة حوار يشمل الجميع يمكننا من توفيرحلول إنسانية وأخلاقية لمحنة شعبنا مع الحرب ويعيننا على التوافق على عقد اجتماعي جديد تبنى فيه الدولة على أسس عقلانية مبنية على المبادئ التعاقدية والتشاركية التي تفرغ السلطة من طابعها المقدس المنكفئ على الفئة أو الفرد وتعيد السيادة للإرادة المدنية الجمعية للشعب،،،
♦️إن تفكيك حالة الجنوح لاوهام احتكار السلطة والقيادة يتطلب فتح قنوات الحوار مع من يقفون خلف الحرب كوسيلة تمكنهم من فرض هذا الخيار الانتحاري فمن خلال الحوار بالإمكان نزع اوهام احتكار السلطة من اذهانهم ودفعهم لخيارات التوافق والتراضي على تحديد مصادر مشروعيتها الدستورية والسياسية واعادة هيكلة أسس التمثيل فيها كإطار معبر عن الإرادة المدنية المشتركة الناهض على قاعدة الرضى والسيادة الشعبية،،،
♦️إن الخروج من مأزق العقل الاقصائي المهيمن على فضاءات السياسه الآن يحتاج لإعمال مبضع التشريح لتفكيك مفاصل العجز في منهج التفكير السياسي السائد الآن والانتقال من حالة الانغلاق على رفض الاخر لتغليب منطق القبول ومنهج الحوارات والنقاشات الموضوعية كأساس لمواجهة المحن الاختبارات الاصعب والمصير الاسوأ الذي تقابله بلادنا ويقاسيه شعبنا الآن،،،
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.