حيل تسعير الحرب بذرائع التدخل الخارجي وخنق فرص الحلول

طلب الختيم

▪️الطاغي على خطاب دعاة الحرب هو تمتين سردية تاثير البعد الخارجي في الحرب الدائرة الآن وتصويرها وكأنها الحرب الاولى في التاريخ الإنساني التي تشهد تدخلا خارجيا يستدعي مواجهته بكفاح مقدس تضامنا مع الجيش الوطني باعتباره الحامي للمصالح الوطنية العليا وبإعتبار إن حرب السودان تختلف عن كل حروب التاريخ لطغيان البعد الدولي عليها ،هذه السرديه مبنية على بعد تضليلي مجافي لحقائق التاريخ،فكل الحروب وخاصة الحديثة كان تداخل المصالح الدوليه فيها فاعلا مؤثرا ،،،
▪️ففي المحيط الافريقي والعربي كان البعد الخارجي هو العامل الاكثر تاثيرا في الحروب الداخليه فعلى سبيل المثال الحرب التشادية التي نشبت عام ١٩٧٩بين فلكس ملوم الرئيس التشادي وقتها ورئيس الوزراء حسين حبري والتي اشعل شرارتها الاولى شجار بسيط بين تلميذين إحداهما مسلم والآخر مسيحي في مدرسة فلكس الثانوية بالعاصمة ام جمينا بالقرب من مقر الحرس الرئاسي والذي تدخل انحيازا لاحداهما مما استدعى القوات التابعة لرئيس الوزراء بالتدخل ايضا وبعدها اندلعت حرب استمرت لأكثر من عام وتحولت لصراع نفوذ إقليمي ودولي تداخلت فيها مصالح كل دول الجوار السودان وليبيا والكاميرون ونيجيريا ودوليا الفاعل الاكبر فرنسا وانتهت بمبادرة سلام من نجيريا أنهت الحرب في العام ١٩٨١م،،،
▪️وكذلك حرب سيراليون التي اشعل شرارتها تمرد فوداي سنكوح على نظام الرئيس احمد تيجان كباه في عام ١٩٩١م لعبت فيها دول الإقليم ودول أخرى دورا مؤثرا فالرئيس احمد تيجان كباه وجد دعما كبيرا من المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا(الاكواس) وفي المقابل ليبريا بقيادة الرئيس تشارلز تايلور وليبيا عبر نظام القذافي كانتا من أكبر الداعمين للتمرد بقيادة سنكوح وانتهت الحرب بتدخل دولي عسكري بقيادة بريطانيا ودول الاكواس قضى على التمرد الذي مانع الإرادة الدولية برفض الحلول السلمية ومن ثم تم تحقيق المصالحة الوطنية التي تأسست على مشروع للعدالة الانتقالية أضحى الآن من النماذج الناصعة في المستوى الإقليمي والعالمي.
▪️الحرب الرواندية ايضا كانت انعكاس للصراع الدولي والإقليمي في المنطقة حيث ساندت فرنسا وبلجيكا والكونغو وبورندي نظام الهوتو بقيادة الرئيس “هابياريمانا”بينما وجدت الجبهة الوطنية بقيادة بول كيقامي دعما كبير من يوغندا واسرائيل وعندما غالب المتشددين من الهوتو الإرادة الدولية والإقليمية في فرض السلام واجهضوا اتفاق اروشا في تنزانيا الذي أبرم في العام ١٩٩٤م وارتكبوا ابشع جرائم الإبادة الجماعية عندها اتحدت الإرادة الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في القضاء على نظامهم بدعم تحالف الجبهة الوطنية والمعتدلين من الهوتو لفرض إرادة السلام والمصالحة الوطنية وانهاء إرث بشاعات الحرب عبر نموذج للعدالة الانتقالية أصبح من النماذج الدولية المشرقة في ارث العدالة الانتقالية.
▪️الحرب اللبنانية التي كان الانقسام الطائفي المحدد لهويتها فهى ايضا كانت تجسيدا لصراع النفوذ الإقليمي والدولي في المنطقة حيث وجد “السنة” دعما كبير من المملكة العربية السعودية ودول الخليج و”الشيعة” من ايران وسوريا و”الدروز” من اسرائيل و”الطوائف المسيحية “من الغرب والولايات المتحده وفي النهاية انتهت الحرب بمبادرة سلام من المملكة العربية السعودية أبرمت في جده في العام ١٩٨٤م تأسست عليها معادلة الحكم والنظام الدستوري التي توافق عليها جميع أطراف النزاع ومازالت مستمرة حتى الللحظة.
▪️هذه النماذج وغيرها تدلل على أن كل الحروب الدوليه في عالم اليوم تحديدا تتأثر بتداخل المصالح الدولية بل هى في جوهرها تعبير عن صراع النفوذ الدولي والإقليمي حول المصالح،،،
▪️وفي تاريخنا الوطني حرب الجنوب كانت مسنودة بسردية التدخل الدولي وكذلك الحرب في دارفور ٢٠٠٣ والجبهة الوطنية تحالف المعارضة في مواجهة نظام نميري المكون من (حزب الامة والحزب الاتحادي والإسلاميين بقيادة الترابي ) فهى عندما اجتاحت العاصمة ١٩٧٦م كانت مسنودة بالدعم الليبي وعلى سبيل ترسيخ حالة التخوين المفترضة عبر خطاب الدولة الرسمي أطلق عليهم “المرتزقة”ومن المفارقات كان على قيادتهم شهود احياء على الحرب الحالية أبرزهم (مبارك الفاضل و د.غازي صلاح الدين ومهدي ابراهيم والتوم هجو)،،،
▪️نخلص من كل هذا السرد إلى أن الحروب هى انعكاس للصراع السياسي حول المصالح في المستوى الوطني والإقليمي والدولي وبالتالي محاولة تهويل حالة التدخل في الصراع الحالي على اعتباره استثناء يوجب الكفاح المقدس هو مجرد حيلة من أصحاب المصلحة في الحرب لتعزيز سردية الاصطفاف خلفها بدواعي انها تجسيد للمؤامرة على الوطن.
▪️فالمعلوم بالضرورة إن طرفا الصراع (الجيش والدعم السريع) حتى ماقبل الحرب هم واجهات معبرة عن النفوذ الدولي والإقليمي في السودان لديهم اتفاقات حول التعدين مثلا مع الروس وفاغنر وتركيا وتمت تحت إشراف جهاز الدولة الرسمي بقيادة حزب المؤتمر الوطني.
▪️وفوق كل ذلك تاريخيا معلوم تاثير الجيش المصري على الجيش السوداني في طور التكوين الأولي من قوة دفاع السودان التي تشكلت من إرث المقاتلين السودانيين الذي تحالفوا مع الجيش الاستعماري للقضاء على الدولة الوطنية المهدية.
▪️وامتدت خيوط التحالف بين الجيش المصري والسوداني بعد الاستقلال حيث اصبح الجيش السوداني هو واجهة التعبير عن النفوذ المصري في السودان لحماية المصالح وخنق الأنظمة الديمقراطية والانقضاض على كل المحاولات التأسيس الدستوري للانتقال الديمقراطي في السودان واخرها تأييد الانقلاب على النظام الانتقالي ٢٠٢١م..
▪️فمصر مصالحها تاريخيا مرتبطة على الدوام بالابقاء على السودان كدولة تابعة ومعبرة عن امتيازاتها في مياه النيل ولن يتأتي ذلك إلا من خلال الأنظمة العسكرية الشمولية لذلك هى غير متصالحة باستمرار مع تطلعات الشعب السوداني في تأسيس نظام ديمقراطي يعبر عن ارادته ومصالحه.
▪️وكذلك من مظاهر التدخل الطاغية وبفعل حالة استعار اوهام التمدد والتمكن الاسلاموي في السودان نشأ تحالف استراتيجي بين إسلاميو السودان والنظام التركي تبدى اثره واضحا الآن في مجريات الحرب الحالية.
▪️أما ايران فيربطها تحالف تكتيكي مع النظام البائد حول اتحاد إرادة الطرفين في استمرار حالة الزعزعة في الإقليم لدعم مشروعاتهم في الحكم العابره للحدود وقد أحيت الحرب الحالية فرصة إعادة إنتاج ذات التحالف.
▪️وفوق كل ذلك السودان وبحكم موقعة المؤثر وهشاشة التكوين البنيوي لقياداته السياسية الحالية أصبح مطمعا لكل دول العالم والإقليم.
▪️وبالتالي دول مثل مصر والسعودية وبدوافع الخشية من تداعيات حالة تأثير تفكك السودان على مصالحها تسعى الآن للضغط على أطراف الحرب لوقفها استنادا على مخاوفها المتحدة وهواجسها ومصالحها المتضاربة.
▪️لكن المؤسف والمحزن وبعد كل الذي يجري في بلادنا أن لا نستشعر مخاطر ومهددات استمرار الحرب على حاضر ومستقبل بلادنا والتي تجاوزت كونها حرب بين أطراف عسكرية أو سياسية لتنتقل لكونها حرب تهدد وجودنا كوطن وشعب لأنها تتغذى على حالة التدابر والتناحر والاقتتال بين المكونات الاجتماعية والاثنية والقبلية وبالتالي الخروج منها لن يتأتى بتسعير مشاعر الوطنية لتقديس الحرب بفرضيات توهمات التدخل الخارجي فكل يوم جديد في الحرب سيضاعف من جراحنا الجماعية ويعزز مشاعر والكراهية و الانتقام والثأر فينا ضد بعض.
▪️لاجل استنهاض الوعي في مواجهة مآلات الحرب ومحنها لا يتوجب علينا الاتكاء فقط على مجهودات الخارج لانتشالنا من مأزقنا وانما نحتاج لامتلاك الإرادة الوطنية التي تعيننا على الانتقال من حالة الاحتراب والتدابر والانقسام السياسي والاثني والاجتماعي إلى حالة التسامي والترفع على جراح الصراع والشقاق والخلاف من أجل التوافق على مشروع مصالحة وطنية يوفر حلول لمعالجة جذور الازمات التي أنتجت الحروب التي مكنت فينا حالة الشقاء والانقسام والصراع بلا أفق للتراضي على مشروع وطني يعبر عن تطلعاتنا الجمعية في وطنننا.
▪️الذي نحتاجه الآن ليست مساومات أو تسويات سياسية نخبوية فوقية وهشة لاتقود حتى لتغيير جذري في بنية السلطة كمستوطن للمظالم، ففي حالتنا الراهنة ولمواجهة اهوال المحن والمآسي والآلام نحتاج لمشروع مصالحة وطنية طويل الأمد يمكننا من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ويرمم العلاقة بين كل المكونات الاجتماعية المتدابرة والمتناحرة الآن ،وهكذا مشروع لايجب أن يعبر فقط عن تصورات وتطلعات النخب بل يشمل كل الفئات والقوى الاجتماعية التي تأثرت بالحرب الحالية وكل النزاعات التاريخية،،،
▪️إن القطيعة مع إرث الازمات التي استولدت الحروب يحتاج لمشروع مصالحة وطنية يتأسس على آليات الاعتراف بالاخطاء والخطايا التاريخية والحالية التي مورست ضد الشعوب والإقرار بالجرائم التي ارتكبت في حق الضحايا، ومحاسبة الجناة ،وتوفير ضمانات عدم التكرار ،،،
▪️وللتخلص من حالة فقدان الثقة في مؤسسات الدولة الرسمية ولازالة هواجس الهيمنة المركزية عليها نحتاج لهندسة نظام دستوري نتوافق فيه على طبيعة الدولة ونعيد من خلاله تركيب هياكل ومؤسسات الحكم وفق الأسس التي تجعلها معبرة عن كل المجموعات السكانية في السودان لانهاء كل أسباب الانقسام التاريخي في بعده الإثني والاجتماعي عبر عقد اجتماعي جديد يعبر عن حقوقنا في التعدد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي من خلال نظام يمازج بين قيم العدالة والمساواة والفيدرالية،،،

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.