(الشارع لا ينسى): لماذا يلفظ السودانيون الإسلاميين رغم محاولات التشبث بالسلطة؟
تقرير – عين الحقيقة
رغم محاولات متكررة لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي، يواصل الشارع السوداني التعبير عن رفضٍ واضح لعودة الإسلاميين إلى السلطة، في موقف يتجاوز ردّ الفعل الآني، ويعكس ذاكرة جمعية مثقلة بتجربة حكم تركت البلاد على حافة الانهيار. هذا الرفض، الذي يظهر في الشعارات، والمواقف الشعبية، وحتى في المزاج العام، لا يبدو مرتبطًا بتكتيكات سياسية راهنة بقدر ما هو حكم تاريخي على تجربة كاملة.
حلت الولاءات الحزبية محل الكفاءة، وتحوّل جهاز الدولة إلى أداة للصراع لا وسيطًا للعدالة..
يحمل الإسلاميون في السودان إرثًا سياسيًا معقّدًا، ارتبط بانقلاب عسكري، وتفكيك ممنهج لمؤسسات الدولة، وإقصاء واسع للقوى السياسية والمجتمعية. وعلى مدى ثلاثة عقود، تكرّست سلطة قائمة على “التمكين”، حيث حلت الولاءات الحزبية محل الكفاءة، وتحوّل جهاز الدولة إلى أداة للصراع لا وسيطًا للعدالة. بالنسبة لكثير من السودانيين، لم تكن تلك الحقبة مجرد أخطاء حكم، بل مسارًا قاد إلى عزلة دولية، وحروب داخلية، وانهيار اقتصادي طويل الأمد.
لم يأتِ رفض الشارع من فراغ. فالثورة التي أطاحت بحكم الإسلاميين لم تكن مجرد احتجاجات معيشية، بل انتفاضة ضد نموذج حكم كامل. ومع اندلاع الحرب لاحقًا، تعزّز هذا الرفض، إذ يرى قطاع واسع من الرأي العام أن جذور الصراع الحالي تعود إلى السياسات التي رسّخت عسكرة الدولة، وفتحت المجال لتعدّد مراكز القوة، وأضعفت فكرة الجيش الوطني الموحد.
لم تتوقف محاولات الإسلاميين للعودة إلى المشهد، سواء عبر الخطاب الإعلامي، أو التحالفات غير المعلنة، أو استدعاء خطاب “الضرورة” و“الخطر الوجودي”..
رغم ذلك، لم تتوقف محاولات الإسلاميين للعودة إلى المشهد، سواء عبر الخطاب الإعلامي، أو التحالفات غير المعلنة، أو استدعاء خطاب “الضرورة” و“الخطر الوجودي”. غير أن هذه المحاولات تصطدم بحائط صد شعبي، يرى فيها إعادة إنتاج للأزمة نفسها بأدوات مختلفة. فبالنسبة للشارع، لا تمثل هذه الدعوات مشروع إنقاذ، بل محاولة للتمسك بالسلطة تحت غطاء الفوضى.
ما تغيّر اليوم ليس فقط السياق السياسي، بل وعي الشارع نفسه. فالتجربة القاسية جعلت قطاعات واسعة من السودانيين أكثر تشككًا في الشعارات الأيديولوجية، وأكثر ميلًا للمطالبة بدولة مدنية، تقوم على المواطنة، والمحاسبة، وفصل الدين عن الصراع على السلطة. هذا التحوّل في الوعي يُعد أحد أهم مكاسب المرحلة، ويُفسر لماذا لم تعد الدعوات الإسلامية تجد صداها السابق.
في المحصلة، يبدو أن الإسلاميين يواجهون أزمة أعمق من مجرد خسارة سلطة؛ إنهم يواجهون فقدان الشرعية الشعبية. فالشارع السوداني، الذي دفع أثمانًا باهظة من الدم والاقتصاد والاستقرار، لا يرى في عودتهم حلًا، بل امتدادًا لمأساة لم تُطوَ فصولها بعد. وبينما تستمر محاولات التشبث بالمشهد، يظل الصوت الشعبي واضحًا: لا عودة إلى الوراء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.