لم تكن التدخلات المصرية في الشأن السوداني طارئة أو عابرة، بل هي امتداد لرؤية سياسية قديمة ترى في السودان عمقًا حيويًا وحديقة خلفية للأمن القومي المصري. غير أن ما يثير التساؤل اليوم ليس حجم هذا التدخل بقدر ما هو طبيعته المتناقضة، خاصة حين يتعلق الأمر بالتعامل مع الإسلاميين؛ إذ تحارب القاهرة جماعة الإخوان المسلمين بلا هوادة داخل مصر، بينما تتعامل بمرونة، بل أحيانًا ببراغماتية لافتة، مع نظرائهم في السودان.
هذا التناقض الظاهر لا يمكن فهمه خارج منطق المصالح الصلبة. فالدولة المصرية لا تنظر إلى الإسلاميين في السودان باعتبارهم خطرًا أيديولوجيًا مماثلًا لما تمثله جماعة الإخوان في الداخل، بل تراهم ورقة يمكن توظيفها ضمن معادلة السيطرة والضبط الإقليمي. الإسلاميون السودانيون، بحكم تغلغلهم التاريخي داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيش والأمن والاقتصاد، يمثلون بالنسبة للقاهرة قوة “مُجَرَّبة” يمكن التعامل معها لضمان استقرار يخدم المصالح المصرية، ولو كان استقرارًا هشًا أو مؤقتًا.
في المقابل، تمثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر تهديدًا مباشرًا لشرعية النظام الحاكم، لا لسياساته فحسب، بل لوجوده ذاته. من هنا، يصبح الصراع معهم صراع بقاء، بينما يتحول الإسلاميون في السودان إلى مجرد أداة في لعبة النفوذ، لا أكثر. هذا الفرق الجوهري يفسّر ازدواجية الخطاب والسلوك.
لكن هذه المقاربة البراغماتية تجاه الإسلاميين في السودان لم تخلُ من كلفة باهظة. فقد أسهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إطالة عمر أزمات السودان، عبر دعم قوى تقليدية فشلت تاريخيًا في بناء دولة مدنية مستقرة. كما غذّت الشكوك داخل الشارع السوداني تجاه الدور المصري، الذي بات يُنظر إليه باعتباره منحازًا لإعادة إنتاج أنظمة حكم لفظها الشعب، بدل دعم تطلعاته لدولة المواطنة والمؤسسات.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج يعكس فهمًا قاصرًا لطبيعة التحولات في السودان. فالشارع السوداني اليوم أكثر وعيًا وأشد حساسية تجاه أي تدخل خارجي، وأقل قابلية للقبول بالوصاية، مهما كانت ذرائعها. ومحاولة الالتفاف على هذا الوعي عبر التحالف مع الإسلاميين أو غيرهم، لن تنتج استقرارًا حقيقيًا، بل تؤجل الانفجار القادم.
في المحصلة، لا تتعامل مصر مع الإسلاميين في السودان حبًا فيهم، ولا تحارب إخوان مصر كرهًا في الفكرة وحدها، بل تحكمها معادلة واحدة: حماية النظام والمصالح. غير أن هذه المعادلة، حين تُبنى على ازدواجية المعايير، قد تنجح مرحليًا، لكنها تزرع بذور توتر طويل الأمد بين شعبين يفترض أن تجمعهما المصالح المشتركة لا الحسابات الضيقة.
السودان لا يحتاج إلى أوصياء، ولا إلى إعادة تدوير نخب فشلت، بل إلى احترام إرادة شعبه. وأي دور إقليمي، مصريًا كان أو غيره، لن يكون مقبولًا ما لم ينطلق من هذا المبدأ البسيط: استقرار السودان لا يُصنع ضد السودانيين، ولا عبر خصوم ثورتهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.