مجلس السلم والأمن الإفريقي- لا شرعية تُكتسب عبر الإنقلاب ولا تُستعاد عبر الحرب .

خالد كودي

في 12 فبراير 2026، أعاد مجلس السلم والأمن الإفريقي تثبيت حقيقةٍ قانونية–سياسية لا تُخطئها القراءة الجادّة:
لا شرعية تُكتسب عبر الانقلاب ولا تُستعاد عبر الحرب، ولا يمكن رفع تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي ما لم توقف الحرب وتُستعاد سلطة انتقالية مدنية ويُعاد مسار نظام الدستوري. هذا ليس “مزاجًا دبلوماسيًا” ولا خصومةً عابرة مع الخرطوم؛ إنه امتدادٌ مباشر لقرارٍ تأسيسي اتُّخذ عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، حين أدان المجلس صراحةً الاستيلاء غير الدستوري على السلطة وقرّر تعليق مشاركة السودان في كل أنشطة الاتحاد الإفريقي إلى حين “الاستعادة الفعّالة” لسلطة مدنية انتقالية.
١/ لماذا طُرد السودان من الاتحاد الإفريقي؟ جوهر المسألة: انقلابٌ على الانتقال لا “تفاصيل إجرائية”
إن جوهر تعليق العضوية منذ أكتوبر 2021 مرتبطٌ بقاعدة إفريقية صريحة: رفض التغييرات غير الدستورية للحكم. القرار لم يأتِ لأن السودان “أخطأ في إدارة ملفٍ ما”، بل لأن السلطة العسكرية آنذاك أزاحت الشراكة الانتقالية المدنية–العسكرية واعتقلت/أقصت المدنيين وادّعت أنها تستطيع إنتاج “شرعية بديلة” من فوق الدستور ومن خارج التوافق المدني. هذا ما سمّاه الاتحاد الإفريقي بوضوح: استيلاء على السلطة وحلّ للحكومة الانتقالية و”رفضٌ كامل” للتغيير غير الدستوري.
منذ تلك اللحظة، ظلّ “نظام البرهان” يتحرك بمنطقٍ واحد: شرعية الأمر الواقع. أي: ما دام السلاح بيده، فلتُعاد هندسة الشرعية لاحقًا عبر مؤتمرات شكلية، أو انتخابات مؤجَّلة، أو اعتراف خارجي مُنتزع بالضغط. غير أن الاتحاد الإفريقي—وفق نصوصه وقراراته—يرفض منطق “التجاوز ثم التسوية”، لأن قبوله يعني تحويل القارة كلها إلى سوقٍ للانقلابات: تنجح دبابة اليوم فتمنح الأخرى ترخيصًا غدًا.
٢/ خدعة “الطلب المحموم للشرعية”: محاولة للهروب من السؤال التأسيسي
المفارقة أن السلطة القائمة في بورتسودان تُلوّح بخطاب “السيادة” وهي تسعى في الوقت ذاته إلى ختمِ اعترافٍ خارجي يبيّض مسارًا بدأ بانقلاب ثم تمدّد بالحرب. في قمة أديس أبابا، تتكرر “طلبات رفع التعليق” بصيغ جديدة، لكن الشروط لا تتغير: عودة انتقالٍ مدنيٍّ فعلي لا واجهةٍ مدنية مُصنَّعة، ولا تفويضًا مدنيًا تحت حراب الأجهزة.
والأخطر أن هذه المساعي ليست بريئة: إنها جزء من مشروعٍ لإبقاء السودان رهينة الدولة القديمة—دولة الامتيازات المركزية، وشبكات المصالح، وإعادة تمكين الإسلاميين—باسم “الشرعية” وباسم “الجيش القومي”. بينما الاتحاد الإفريقي نفسه، في أحدث مواقفه (12 فبراير 2026)، يُحذّر من أوهام الحسم: يدعو إلى وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتيسير العمل الإنساني، ويؤكد أن الانسداد السياسي لا يُعالج بتوسيع الحرب بل بإعادة المسار السياسي–الدستوري.
٣/ وهم النصر العسكري: درس الحروب الأهلية الكبرى—لا نصر نهائيًا حيث الدولة نفسها هي المشكلة
تجارب الحروب الأهلية الكبرى—ومنها الحرب الأهلية الأمريكية—تعلمنا أن الحرب قد تبدأ بسببٍ محدد ثم تتحول إلى سؤالٍ أكبر من السبب الأول: سؤال طبيعة الدولة ومعنى المواطنة وحدود الشرعية. في أمريكا، بدأت الحرب لحفظ الاتحاد، ثم دفعتها الوقائع—حجم الموت، وانكشاف النظام، واندفاع “العبيد الهاربين” إلى خطوط الاتحاد—إلى مسارٍ تأسيسي انتهى بتعديلات دستورية أعادت تعريف المواطنة والحقوق. هذه ليست رومانسية تاريخية؛ إنها قاعدة سياسية: حين تصبح الحرب شاملة، لا تعود “إدارة الأزمة” تكفي—إما تأسيسٌ جديد أو إعادة إنتاج للجحيم بصيغ مختلفة.
في السودان، لا يمكن لنصرٍ عسكري أن يكون “خاتمة”، لأن الحرب ليست مواجهة بين جيشٍ وخصمٍ فقط؛ إنها انفجارٌ داخل بنية دولةٍ اشتغلت طويلًا على:
– احتكار المركز للثروة والسلطة،
– تحويل الأطراف إلى خزّان دمٍ وسلاح،
– إدارة السياسة بمنطق العنف والوكالة،
– وإعادة تدوير الشبكات نفسها كل مرة تحت راية جديدة
لذلك، يصبح شعار “سنحسم عسكريًا” ليس خطةً للسلام بل تعليقًا للسياسة وإرجاءً للمعنى—وتحويلًا للسودان إلى ساحة استنزاف مفتوحة. والاتحاد الإفريقي، حين يصرّ على شرط الانتقال المدني، إنما يرفض أن تُمنح الحرب وظيفة “إنتاج الشرعية.”
٤/ الإسلاميون والدولة القديمة: لماذا لا يصدّق العالم رواية “الشرعية”؟
السبب الأعمق لفشل نظام البرهان في تسويق شرعيته أن العالم—وخاصة الأطر الإفريقية—يرى ما تحاول الدعاية إخفاءه: أن بنية “السودان القديم” لم تُهزم؛ بل عادت إلى قلب القرار عبر الحرب: شبكات أمنية، اقتصاد حرب، خطاب تعبئة ديني/هوياتي، وتوظيف “الجيش” كرمزٍ فوق المساءلة.
وهنا تتكثف الخديعة: تُقدَّم الحرب كصراعٍ لاستعادة “الدولة”، بينما هي في حقيقتها صراعٌ لاستعادة نموذج الدولة الذي أنتج الحروب. لذلك يظلّ مطلب الاتحاد الإفريقي منطقيًا: لا يمكن إعادة السودان إلى مقعده الإفريقي بسلطةٍ لا تزال تُدار بمنطق الانقلاب، وتطلب الاعتراف لتثبيت وضعٍ غير دستوري.
٥/ تأسيس كمخرج: ليس “حكومة موازية” بل أفقٌ تأسيسي يجيب عن أسئلة الحرب
في المقابل، تبرز أهمية مشروع تحالف/ميثاق “تأسيس” بوصفه محاولة لإعادة تعريف الدولة من جذورها: مواطنة متساوية، علمانية، ديمقراطية، لامركزية، جيش جديد، وعدالة تاريخية وعدم إفلات من العقاب. جوهر هذا المشروع—في منطقه—أنه لا يطلب من العالم “حلًا إسعافيًا” فقط، بل يقدّم إطارًا لمعالجة ما تحاول النخب القديمة تزويره: جذور الحرب البنيوية.
والميزة السياسية هنا أن “تأسيس” يضع معيار الشرعية حيث يجب أن يكون: في العقد الاجتماعي الجديد لا في السيطرة على القصر؛ في ضمان الحقوق و في تفكيك اقتصاد الحرب لا في إعادة تمكينه.
٦/ التعقيدات الدولية: لماذا لا ينتج الضغط وحده سلامًا إذا بقيت البنية كما هي؟
الاتحاد الإفريقي يبحث عن “حل عملي” يتضمن وقف النار وإيصال المساعدات وعودة مسار سياسي جاد. لكن التجربة تُظهر أن أي مقاربة دولية—مهما كانت ضاغطة—ستظل ناقصة إذا انحصرت في “إيقاف إطلاق النار” دون تغييرٍ في بنية الدولة التي تعيد إنتاج العنف. لهذا لا معنى لطلب النظام اعترافًا إفريقيًا وهو يرفض شروط الاعتراف ذاتها: تفكيك الانقلاب سياسيًا، وبناء انتقالٍ مدني حقيقي، والقبول بإصلاح تأسيسي للدولة.

خلاصة إدانة نظام البرهان: الشرعية لا تُنتزع بالضغط، بل تُبنى بعقدٍ جديد
إن إصرار نظام البرهان على السعي المحموم لرفع تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، في الوقت الذي يواصل فيه إدارة الحرب بوهم “الحسم العسكري” وإعادة تدوير بنية الدولة القديمة، لا يعكس أي التزام حقيقي بالسلام، بل يكشف عن استراتيجية واعية تقوم على إضعاف السيادة الوطنية نفسها من أجل شراء الاعتراف الخارجي. فالنظام لا يتردّد في استثمار هشاشة الدولة، والارتهان للمحاور الإقليمية، وتقديم تنازلات غير معلنة في ملفات الأمن والاقتصاد والموارد، بهدف استمالة بعض الدول الإفريقية ودفعها إلى تبنّي موقفه داخل مؤسسات الاتحاد.
بهذا المعنى، تتحوّل الدبلوماسية الرسمية من أداة لحماية المصالح الوطنية إلى أداة للمقايضة السياسية: دعمٌ مقابل صمت، واصطفافٌ مقابل امتيازات، وتغاضٍ عن الجرائم مقابل وعود بالتعاون الأمني أو الاقتصادي. والغاية النهائية من هذه المقاربة ليست إنهاء الحرب، بل انتزاع صكّ شرعية يثبّت الانقلاب، ويحصّن نفوذ الإسلاميين وشبكات السودان القديم، ويمنح السلطة العسكرية غطاءً إقليميًا يعيد إدماجها في المنظومة الإفريقية دون أي إصلاح حقيقي.
وهكذا، لا يسعى نظام الخرطوم إلى استعادة مكانة السودان عبر بناء دولة مستقلة القرار وقادرة على احترام التزاماتها، بل عبر تفريغ السيادة من مضمونها، وتحويلها إلى ورقة تفاوض في سوق الاعتراف السياسي، على حساب مستقبل البلاد وحق شعبها في دولة مدنية عادلة ومستقرة.

في المقابل، ظلّ موقف الاتحاد الإفريقي، منذ 2021 وحتى إعادة تأكيده في فبراير 2026، موقفًا ثابتًا لا يحتمل التأويل: لا عودة بلا انتقال حقيقي يُنهي الحكم الانقلابي ويؤسّس لسلطة مدنية شرعية. وهذا الموقف لا يُمثّل استهدافًا للسودان، بل يشكّل آلية وقائية لحمايته من شرعنة الانقلابات، ومن تحويل العنف إلى مصدر دائم للسلطة السياسية.

وفي بلدٍ كالسودان، حيث لم تكن الحرب يومًا حادثًا طارئًا بل نتيجة مباشرة لبنية دولة مأزومة، فإن ما يُسمّى بـ”السلام المستدام” لا يمكن أن يُصنَع عبر تزييف الجذور، ولا عبر السعي المحموم وراء الاعتراف الخارجي، ولا عبر إعادة تدوير الواجهات نفسها بأسماء جديدة. السلام الحقيقي لا يولد إلا من مشروع تأسيسي يعيد بناء الشرعية من الداخل، على قاعدة المواطنة المتساوية، والعلمانية، واللامركزية، وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية، وترسيخ العدالة التاريخية.
ومن دون هذا التحوّل الجذري، سيظل المشهد السوداني أسير حلقة مفرغة: تتبدّل الوجوه، وتتغيّر الشعارات، بينما تبقى البنية ذاتها تعمل بلا انقطاع—بنية إنتاج الحرب، وتدوير الخراب، وإجهاض أي أفق فعلي لدولة تستحق الحياة.

النضال مستمر والنصر اكيد.

«أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات»

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.