استقالة سلمى عبد الجبار… حادثة فردية أم مرآة لعودة ممارسات الاسلاميين؟

نورا عثمان

لم تمرّ استقالة عضو مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار مرورًا عابرًا في المشهد السوداني، بل فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة السلطة، وحدود النفوذ الشخصي داخل مؤسسات الدولة (الكيزانية)، والسؤال الأعمق: هل ما حدث مجرد واقعة إدارية معزولة، أم أنه امتداد لثقافة سياسية ارتبطت بسنوات حكم الإسلاميين في السودان؟
تبدأ القصة من مشادة داخل مكتب مدير أراضي محلية الخرطوم، عقب رفضه تمرير إجراءات بيع قطعة أرض استثمارية قيل إنها مجتزأة من مجمع إسلامي مملوك لوالد عضو مجلس السيادة. المدير تمسك بقرار صادر عن والي الخرطوم في ديسمبر 2025 يقضي بإيقاف إصدار القرارات التخطيطية والأراضي لأي غرض، وهو ما أدى لاحقًا إلى إيقافه عن العمل قبل إعادته، في خطوة أثارت كثيرًا من التساؤلات حول تداخل السلطة التنفيذية مع الإجراءات المهنية.
في تقدير القضية هنا ليست شخصية بقدر ما هي مؤسسية. فحين تُتهم شخصية في موقع سيادي بمحاولة التأثير على قرارات إدارية تتعلق بأراضي الدولة، فإن الأمر يتجاوز حدود الخلاف الفردي ليصل إلى جوهر إدارة المال العام. السودانيون الذين خرجوا في ثورة 2019 كانوا يطالبون بدولة قانون ومؤسسات، لا دولة علاقات ونفوذ، ولهذا فإن أي شبهة تضارب مصالح تُقرأ فورًا بوصفها عودة إلى أساليب الماضي.

المشهد السياسي السوداني مثقل بالاستقطاب، وكل حادثة تُستثمر سريعًا في معارك النفوذ. ومع ذلك، فإن ما يقلق الشارع ليس فقط الواقعة نفسها، بل نمطًا متكررًا من الجدل حول الأراضي والاستثمارات والقرارات التي تُتخذ خلف الأبواب المغلقة، وهو نمط ارتبط تاريخيًا بفترة حكم الإسلاميين وما وُصف حينها بسياسات التمكين.

استقالة سلمى عبد الجبار وقبولها من قبل رئيس مجلس السيادة قد تُقرأ كخطوة لاحتواء أزمة سياسية وإدارية، لكنها تطرح سؤالًا أعمق: هل نحن أمام بداية ترسيخ لمبدأ المحاسبة، أم مجرد محاولة لامتصاص الغضب العام؟ فالمحاسبة الحقيقية لا تُقاس بالاستقالات فقط، بل بوجود نظام مؤسسي يمنع تضارب المصالح من الأساس، ويضمن حماية الموظف الذي يتمسك بالقانون، لا معاقبته.
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق؛ فإما أن تتحول مثل هذه القضايا إلى فرصة لبناء قواعد صارمة للشفافية والنزاهة، أو أن تبقى مجرد حلقات جديدة في سلسلة الجدل السياسي دون إصلاح جذري. وفي ظل حرب تستنزف البلاد، تبدو الحاجة إلى ثقة المواطن في مؤسسات الدولة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
في النهاية، ليست القضية في اسم مسؤول بعينه، بل في السؤال الذي يطرحه الشارع: هل تغيّرت طريقة إدارة السلطة فعلًا بعد الثورة، أم أن وجوهًا جديدة تعيد إنتاج ممارسات قديمة؟ الإجابة لن تأتي من البيانات أو الاستقالات وحدها، بل من بناء دولة تحمي القانون من النفوذ… وتضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار شخصي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.