تشهد إيران احتجاجات متصاعدة وُصفت بأنها الأوسع منذ سنوات والأكثر تأثيراً على النظام الحاكم، في وقت تتزايد فيه التكهنات حول احتمالات تآكل بنيته أو انهياره. وتكشف هذه التطورات عن مشهد داخلي معقد تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية، بينما يظل السؤال الأهم متعلقاً بتداعيات أي تحول جذري في طهران على شركائها الإقليميين، وعلى رأسهم سلطة بورتسودان في السودان.
الاحتجاجات الإيرانية الشرارة والحجم والقمع
اندلعت شرارة الاحتجاجات الحالية في 28 ديسمبر 2025، عقب إضراب نفذه تجار في بازار طهران احتجاجاً على التدهور الاقتصادي الحاد، حيث فقد الريال الإيراني نحو نصف قيمته، فيما تجاوز معدل التضخم 40 بالمئة.
وسرعان ما تحولت المطالب المعيشية إلى شعارات سياسية مباشرة تستهدف النظام ورموزه، وامتدت الاحتجاجات إلى عشرات المدن من بينها طهران ومشهد وأصفهان وكرمانشاه. ورغم صعوبة التحقق من الأرقام بسبب القيود المفروضة على الاتصالات، تشير تقديرات متقاطعة إلى مشاركة مئات الآلاف، مع حديث غير رسمي عن نحو مليون متظاهر في مدينة مشهد وحدها.
وتُعد هذه الموجة من أخطر التحديات التي واجهت النظام خلال العقود الأخيرة، إذ تجاوزت في حدتها وسقف مطالبها الاحتجاجات السابقة. كما برزت للمرة الأولى منذ عقود هتافات مؤيدة للنظام الملكي السابق، في مؤشر واضح على عمق السخط الشعبي واتساع أزمة الشرعية.
في المقابل، اتهمت القيادة الإيرانية المحتجين بالعمالة لقوى خارجية، مشيرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما المحركين الرئيسيين للاحتجاجات. في حين تلقت التحركات دعماً سياسياً وإعلامياً من شخصيات معارضة في الخارج، أبرزها ولي العهد السابق رضا بهلوي، الذي دعا إلى استمرار التظاهر. وقد نفت واشنطن هذه الاتهامات ووصفتها بأنها ادعاءات لا تستند إلى أدلة.
وردت السلطات بحملة قمع واسعة، حيث أفادت منظمات حقوقية بمقتل ما بين 42 و65 شخصاً على الأقل، واعتقال أكثر من 2300 متظاهر. كما حذرت النيابة العامة في طهران من أن المتورطين في ما تصفه بأعمال تخريب أو تهديد للأمن القومي قد يواجهون عقوبات مشددة تصل إلى الإعدام.
وضمن هذه الإجراءات، فُرض قطع شبه كامل للإنترنت لأكثر من 48 ساعة، ما أدى إلى عزل البلاد رقمياً وتعطيل الاتصالات الدولية، في خطوة وُصفت من قبل مثقفين إيرانيين بأنها أداة قمع ممنهجة لحجب المعلومات.
إيران وبورتسودان شراكة ضرورية في لحظة مصيرية
في ظل هذه الأزمة الداخلية، يتضح حجم الارتباط بين إيران وشريكها الإقليمي في السودان. فقد وجدت سلطة بورتسودان، التي تعاني من عزلة دولية بفعل الحرب الأهلية، في طهران شريكاً سريع الاستجابة وغير مشروط. وتوصف هذه العلاقة بأنها شراكة اضطرارية فرضتها الظروف السياسية والعسكرية لكلا الطرفين.
تجلت هذه الشراكة في تقديم دعم عسكري مباشر للجيش السوداني، شمل أسلحة وطائرات مسيرة أسهمت في تغيير موازين القوى في عدد من الجبهات. كما استُخدم التقارب مع طهران كورقة ضغط سياسية في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية معارضة لهذا التحالف. وعلى المستوى الاستراتيجي، سعت إيران إلى استكشاف فرص للتمركز على البحر الأحمر عبر ميناء بورتسودان، وهو ما عكسه استقبال وفد من هيئة الموانئ البحرية الإيرانية خلال الفترة الماضية.
سيناريوهات الانهيار ما مصير السودان والمنطقة
فراغ الدعم العسكري وتبدل موازين القوة في السودان
في حال تراجع النظام الإيراني أو انهياره، سيكون من أولى النتائج المباشرة انقطاع قنوات الدعم العسكري التي اعتمدت عليها سلطة بورتسودان. هذا التطور قد يخلخل موازين القوة الميدانية ويضع القيادة العسكرية أمام واقع جديد يفرض إعادة تقييم شاملة لخياراتها. ومع تضاؤل مصادر الإسناد، قد تجد السلطة نفسها مضطرة للدخول في مسارات تفاوضية بشروط أقل مواتاة، أو البحث عن تحالفات بديلة في توقيت بالغ الحساسية.
إعادة رسم المشهد الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي
انحسار النفوذ الإيراني سيترك فراغاً في واحدة من أكثر المناطق أهمية وحساسية على مستوى الملاحة والتجارة الدولية. وقد يدفع هذا الفراغ دول الجوار، بدعم من قوى دولية، إلى صياغة ترتيبات أمنية جديدة تهدف إلى ضبط الاستقرار في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي هذا السياق، قد تتراجع أدوار الفاعلين غير التقليديين لصالح أطر تعاون إقليمي ودولي أكثر تنظيماً.
تحول الصراع من أدوات القوة إلى مسارات الدبلوماسية
مع تراجع الدور الإيراني، من المرجح أن تنخفض حدة الصراعات بالوكالة التي غذت التوتر الإقليمي خلال السنوات الماضية. وبدلاً من سباق النفوذ العسكري، قد تتجه القوى الفاعلة إلى توظيف الأدوات الدبلوماسية والسياسية لملء الفراغ بأقل كلفة ممكنة، ما يفتح الباب أمام تفاهمات مرحلية تحد من احتمالات التصعيد.
انفراج نسبي وفرص اقتصادية مؤجلة
انخفاض مستوى التوتر الجيوسياسي قد يسهم في تحسين المناخ الاستثماري في قطاعات الطاقة والبنى التحتية والموانئ. وإذا ما تحقق قدر من الاستقرار، يمكن لدول مثل السودان أن تستفيد من موقعها وإمكاناتها الاقتصادية الكامنة. غير أن هذا السيناريو يظل رهناً بقدرة الفاعلين المحليين على استعادة الاستقرار الداخلي وبناء الثقة مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
الخلاصة
تقف إيران عند مفترق طرق تاريخي، حيث تهدد الاحتجاجات المتصاعدة بتآكل أسس شرعية النظام، بينما يبدو شركاؤها الإقليميون، وفي مقدمتهم سلطة بورتسودان، مرتبطين إلى حد بعيد بمآلات هذا التحول. وبينما تراهن طهران على القمع وقطع الاتصالات لضمان البقاء، فإن أي تغيير جوهري في وضعها سيترك آثاراً تتجاوز حدودها لتطال توازنات الاستقرار والتعاون في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً. أما السودان، فيجد نفسه أمام احتمال إعادة صياغة خياراته الاستراتيجية في لحظة حرجة قد تكون فيها قدرته على المناورة محدودة إلى أدنى مستوياتها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.