حينما يصبح قانون الوجوه الغريبة سياسة دولة
بقلم /المحامي محمود قطية مؤسس ورئيس هيئة محامي كردفان
حين تتحول الدولة من كيان حامٍ للحقوق إلى جهاز يُقنن الاشتباه، فإننا نكون أمام انزلاق خطير من دولة القانون إلى دولة الهوية القسرية. ما يُعرف بـ«قانون الوجوه الغريبة» – أي تجريم الوجود أو المظهر أو الانتماء غير المُعرَّف بمعايير واضحة – يُعد في جوهره انتهاكًا صريحًا لمبادئ الشرعية الجنائية، وخرقًا فاضحًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
هذا النوع من القوانين يتعارض مباشرة مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومبدأ عدم التمييز، وقرينة البراءة، وحظر الاعتقال التعسفي. كما يصطدم مع الاتفاقيات الدولية التي تحمي حرية التنقل، والحق في الخصوصية، والكرامة الإنسانية. الأخطر أن هذه القوانين غالبًا ما تُصاغ بصياغات مطاطة، تمنح أجهزة إنفاذ القانون سلطة تقديرية واسعة، تُدار عمليًا خارج أي رقابة قضائية فعّالة.
أمنيًا، لا يُنتج هذا النهج استقرارًا، بل يوسّع فجوة انعدام الثقة بين المجتمع والدولة، ويخلق سوقًا للاحتقان بدل الأمن. سياسيًا، يُستخدم كأداة لإدارة الخوف وإسكات الهامش، ما يقوض الشرعية ويضعف رأس المال السياسي للدولة. اقتصاديًا، يُنفر الاستثمار ويعطّل الإنتاج، لأن رأس المال بطبيعته يكره البيئات غير المتوقعة. اجتماعيًا ونفسيًا، يرسّخ الوصم، ويُطبع الخوف، ويحوّل المواطن إلى “مشتبه دائم”.
والأشد فداحة هو الاستخدام المنهجي لهذا القانون ضد النساء، حيث تشير الوقائع إلى وجود أعداد كبيرة في السجون على خلفية إدانات قائمة فقط على الاشتباه في “الهيئة” أو “الانتماء”. هذا ليس إنفاذ قانون، بل إدارة إذلال.
الخلاصة بلا تجميل: دولة تُدير مواطنيها بمنطق “الوجه الغريب” تُقامر بمستقبلها. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بالاشتباه، بل بالعدالة؛ ولا تُدار الدول بالخوف، بل بسيادة القانون.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.