لم تكن “ثورة التعليم” التي بشّر بها الإسلاميون سوى الاسم المخفف لعملية أعمق وأكثر خطورة: تحويل المعرفة إلى طاعة.
ففي اللحظة التي أُخضعت فيها الجامعة للأيديولوجيا، لم يعد السؤال: كيف نطوّر التعليم أو نرفع جودته؟ بل: كيف نُحكم السيطرة عليه؟
وهنا تحقق ما عبّر عنه ميشيل فوكو بوضوح حين قال إن السلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل بإعادة تشكيل ما يُعتبر معرفةً مقبولة.
ومن هذا المنطلق، انتقل المشروع بهدوء وثبات من مستوى الفكرة إلى مستوى الآلية: كيف تتحول الجامعة عمليًا من فضاء لإنتاج الوعي والمعرفة العامة إلى غنيمة سياسية واقتصادية.
أولى هذه الآليات كانت تشريد آلاف الأساتذة الجامعيين تحت مسمى الفصل للصالح العام.
لم يكن الأمر إجراءً إداريًا عابرًا، بل ضربة مقصودة استهدفت قلب الجامعة نفسها.
جرى إقصاء الكفاءات التي راكمت خبرتها عبر عقود، لا بسبب ضعف علمي أو قصور مهني، بل بسبب غياب “الضمان الأيديولوجي”.
وبهذا القرار، فقدت الجامعات ذاكرتها الحية، ودُفعت أعداد كبيرة من العقول إلى الهجرة القسرية.
وهنا تتجلى حقيقة ما حذّرت منه حنّة آرنت حين ربطت بين تدمير المجال العام وتفريغ المؤسسات من أصحاب الخبرة، معتبرة أن انهيار المعرفة هو المقدمة الطبيعية لانهيار المسؤولية.
فالأستاذ الجامعي لا يُستبدل بسهولة، لأن فقدانه لا يعني خسارة موظف، بل خسارة مدرسة فكرية كاملة، وخيطًا من الاستمرارية المعرفية يصعب تعويضه.
في الفراغ الذي خلّفه هذا التشريد، لم تُفتح أبواب التنافس الأكاديمي، بل أُعيد ملؤها بمعيار واحد: الولاء.
جرى تعيين أساتذة ومحاضرين لا على أساس الإنتاج العلمي أو التأهيل البحثي، بل على أساس القرب من التنظيم الحاكم.
هنا تحققت الهيمنة الثقافية بأوضح صورها، كما وصفها أنطونيو غرامشي: حين لا تحتاج السلطة إلى القمع المباشر لأن المجتمع — أو المؤسسة — يعيد إنتاج خضوعه ذاتيًا.
لم تعد الجامعة فضاءً لإنتاج المثقف النقدي، بل مصنعًا لكوادر “مأمونة” سياسيًا، تعرف ما يجب أن لا تفكر فيه قبل أن تعرف ما يجب أن تقوله.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت الجامعات منذ التسعينات تسييسًا كاملًا لإدارتها.
عُيّن مدراء الجامعات وعمداء الكليات بقرارات سياسية لا عبر مسارات مهنية أو تنافسية.
غابت الخبرة الإدارية، وغاب الفهم الأكاديمي، وحضر معيار واحد: الولاء.
هكذا فقدت الجامعة استقلالها المؤسسي، وصارت إدارتها امتدادًا مباشرًا للسلطة التنفيذية والتنظيمية.
لم تعد المجالس الجامعية سلطات أكاديمية حقيقية، بل أجهزة تصديق تُمرَّر عبرها القرارات، في تجسيد عملي لما وصفه ماكس فيبر بانهيار العقلانية الإدارية حين تُختزل المؤسسات في خدمة الغاية السياسية.
في هذا السياق، جاء القبول الخاص (القبول بالمال) ليكمل دائرة السيطرة.
لم يُقدَّم بوصفه حلًا مؤقتًا لأزمة تمويل، بل فُرض كسياسة دائمة داخل الجامعات الحكومية، بما فيها أعرقها.
هنا تغيّر معنى الطالب نفسه: لم يعد نتاج منافسة أكاديمية، بل زبونًا.
ومع الوقت، لم يعد القبول الخاص استثناءً، بل مسارًا موازيًا يقوّض القاعدة الأصلية.
الجامعة التي كانت تفصل بين المال والمعرفة، جمعت بينهما، فتحولت — كما حذّر بيير بورديو — من فضاء لإعادة إنتاج الكفاءة إلى فضاء لإعادة إنتاج اللامساواة.
هذا التحول مهّد لمرحلة أخطر: الجامعات الموازية.
لم يكن التوسع في التعليم العالي استجابة طبيعية للنمو السكاني أو لحاجات سوق العمل، بل توسعًا مشوّهًا استُخدم فيه التعليم كأداة ربح وتمكين معًا.
أُنشئت جامعات كثيرة بلا بنية تحتية حقيقية، ولا معامل كافية، ولا مكتبات، ولا هيئة تدريس مستقرة.
في كثير من الحالات، لم تكن الامتحانات معيارًا فعليًا، بل إجراءً شكليًا.
الهدف لم يكن إنتاج معرفة أو وعي أو تفكير حر، بل إنتاج شهادات.
وهنا فقدت الشهادة الجامعية معناها العلمي والاجتماعي.
لم تعد علامة على الكفاءة، بل وثيقة إدارية.
ومع تضخم أعداد الخريجين دون جودة، تراجعت سمعة التعليم السوداني إقليميًا، وبدأت معاناة الخريجين مع الاعتراف الخارجي والمعادلات.
وكما أثبتت تجارب الدول الجادة، فإن جودة التعليم لا تُقاس بعدد الجامعات، بل بمنتوجها النهائي: مستوى الخريج، قدرته على التفكير النقدي، ومكانة شهادته في سوق المعرفة والعمل.
في السودان، تضخم العدد، بينما تآكل المعنى والقيمة.
ولأن السيطرة على الجامعة لا تكتمل بإخضاع الأساتذة والإدارة فقط، جرى مصادرة استقلالية اتحادات الطلاب في مختلف الجامعات.
حُلّت الاتحادات، أو أُفرغت من مضمونها، أو أُعيد تشكيلها لتكون واجهات تنظيمية خاضعة للسلطة الكيزانية.
بهذا الإجراء، فقدت الجامعة أحد أهم عناصرها الحديثة: الصوت الحر الذي يعبّر عن الطلاب ويدافع عن حقوقهم الأكاديمية.
لم يعد الاتحاد مساحة للنقاش أو المساءلة، بل أداة ضبط، أو كيانًا شكليًا بلا أثر.
ومع إسكات الطلاب، اكتمل الصمت داخل الحرم الجامعي — ذلك الصمت الذي لا ينتج استقرارًا، بل يُنذر بانهيار بطيء لا يُسمع صوته إلا بعد فوات الأوان .
(نتابع الجزء الثالث والأخير )
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.