في ظل تصاعد الحراك الدولي حول الأزمة السودانية، لم تعد المبادرات المطروحة مجرد مساعٍ دبلوماسية لوقف إطلاق النار، بقدر ما تحوّلت إلى ساحة مفتوحة لصراع نفوذ إقليمي ودولي، يتقاطع عند السودان بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية في معادلات البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فخلف الخطاب المعلن عن السلام، تتشكّل تفاهمات غير مرئية تعكس سباقًا محمومًا لإعادة رسم موازين القوة، وتحديد من يملك مفاتيح الحل، ومن يُقصى عن طاولة القرار.
فعلى ضوء ذلك، تبرز المبادرة السعودية- الأمريكية باعتبارها الأقل تأثيرًا، ليس فقط لقلة داعميها، وإنما لما تحمله من مؤشرات على إعادة ترتيب أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، لا سيما داخل المجموعة الرباعية، إلى جانب محاولات لاحتكار إدارة الملف السوداني وفق مقاربات أمنية تخدم مصالح السعودية ومصر على وجه الخصوص.
وبينما تُسوَّق هذه التحركات باعتبارها خطوة حاسمة نحو إنهاء الحرب، يرى محللون أنها تنطوي على رهانات أعمق تتعلق بتثبيت نفوذ طويل الأمد، وإعادة إنتاج ترتيبات سياسية قد تعيد السودان إلى مربع الهيمنة العسكرية، على حساب مسار التحول المدني الديمقراطي.
ويأتي هذا الحراك مدفوعًا باستراتيجية سعودية-أمريكية جديدة تسعى –وفق مراقبين– إلى فرض واقع سياسي وأمني مغاير في منطقة حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي، في ظل تصاعد المخاوف الدولية من تداعيات الحرب السودانية على الأمنين الإقليمي والدولي.
كما تتابع صحيفة وقناة عين الحقيقة عن كثب انخراط البيت الأبيض، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، بشكل مباشر في إعادة صياغة المشهد السوداني عبر مبعوثين ومسؤولين رفيعي المستوى، ضمن رؤية تتبنى ما يُعرف بـ«صفقة إقليمية شاملة». وتتجاوز هذه الصفقة حدود النزاع الداخلي لتشمل أمن الممرات الملاحية الدولية واستقرار دول الجوار، ما يجعل إنهاء الحرب ضرورة استراتيجية تتعدى الشأن السوداني الداخلي.
ويُنظر إلى اللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بنائب وزير الخارجية السعودي وليد بن عبد الكريم الخريجي، بوصفه نقطة انطلاق أولية لتفعيل مبادرة سلام مشتركة تحظى بدعم مباشر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لطرحها وتسويقها لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتشير دوائر مطلعة لـ«عين الحقيقة» إلى أن المباحثات تجاوزت مرحلة «التهدئة» إلى البحث في ترتيبات عملية لتفعيل مجلس التنسيق الاستراتيجي بين الخرطوم والرياض، بهدف بناء مظلة مؤسسية تضمن الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة السودانية، وتوفير الضمانات اللازمة لأي اتفاق سياسي مرتقب.
وعلى مسارٍ موازٍ، برزت القاهرة محطة محورية في هذا الحراك، من خلال زيارة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، الذي توافق مع القيادة المصرية على ضرورة انتزاع «هدنة غير مشروطة» من أطراف النزاع كخطوة عاجلة. وأكد بولس، الأسبوع الماضي، أن «خطة السلام ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس ترامب تمثل الإطار المرجعي والملزم لإنهاء القتال»، في مؤشر واضح على انتقال واشنطن نحو ما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية الحسم» لوقف النزيف السوداني.
وفي تطور لافت، دخل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس على خط الأزمة من زاوية أمن الملاحة الدولية، حيث تجري واشنطن والرياض مباحثات متقدمة لوضع برنامج أمني مشترك لتأمين البحر الأحمر والممرات البحرية، مع دمج ملف إنهاء النزاع السوداني ضمن هذه الترتيبات الأمنية.
وتعتبر الإدارة الأمريكية أن استمرار الحرب في السودان يمثل «ثغرة أمنية» قد تهدد حركة التجارة العالمية، وهو ما دفع الرئيس ترامب إلى تكليف نائبه شخصيًا بمتابعة الملف، لضمان تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
ووفقًا لمراقبين، فإن هذا التزامن المنسق بين بورتسودان والقاهرة والرياض يعكس بوضوح انتقال الملف السوداني من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة فرض الحل.
ومع اقتراب منتصف فبراير المقبل، الذي يُنظر إليه كسقف زمني لهذه التحركات الدبلوماسية، تترقب الأوساط السياسية مدى استجابة الواقع العسكري للضغوط الخارجية المتصاعدة.
ويرى محللون سياسيون أن المبادرة السعودية- الأمريكية، المدعومة مصريًا، تمثل اختبارًا حاسمًا لجدية الأطراف في إنقاذ الدولة السودانية، غير أن نجاحها يظل مرهونًا بتوافر الإرادة السياسية، والاستعداد الفعلي لتنفيذ استحقاقات السلام على الأرض.
وفي قراءة مختلفة لمسار المبادرة، يرى محلل سياسي فضل حجب اسمه، في إفادة خاصة لـ«عين الحقيقة»، أن التحركات السعودية-الأمريكية الجارية لا تنفصل عن رغبة الرياض في الانفراد بملف الحرب في السودان، وإعادة ترتيب خارطة الفاعلين الإقليميين داخل ما يُعرف بـ«الرباعية الدولية».
ويشير المحلل إلى أن هذا التوجه يتقاطع مع محاولات لإبعاد دولة الإمارات العربية المتحدة من المشهد، رغم دعمها للتحول المدني الديمقراطي في السودان منذ ثورة ديسمبر المجيدة عام 2019، وهو ما يتعارض مع الرؤية السعودية-المصرية التي تميل إلى تثبيت مقاربة الجيش السوداني للأزمة، أو إعادة تدوير سلطة مدنية تعمل ضمن سقف المؤسسة العسكرية.
ووفقًا للمحلل، فإن هذه المقاربة تخدم بالأساس المصالح الاستراتيجية للسعودية في البحر الأحمر، لا سيما ما يتعلق بأمن الممرات الملاحية ومشروعات النفوذ الإقليمي، بالتوازي مع طموحات مصرية لإعادة إنتاج نموذج حكم عسكري في السودان يضمن إقصاء القوى المدنية الفاعلة، ويحول دون قيام سلطة مدنية مستقلة.
ويربط المحلل هذه التحركات بالزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، معتبرًا أنها شكّلت محطة أساسية لتمرير أجندة إقليمية متكاملة حول الملف السوداني، تُقدَّم لواشنطن تحت شعار الاستقرار أولًا، رغم ما تحمله من مخاطر مباشرة على مسار التحول المدني الديمقراطي.
ويخلص المحلل إلى أن المبادرة، بصيغتها الحالية، تعكس صراع نفوذ إقليمي أكثر من كونها مسعى سلام خالصًا، محذرًا من أن تجاهل القوى المدنية، وإعادة إنتاج معادلات ما قبل الحرب، قد يقود إلى تسوية هشة تؤجّل الانفجار بدلًا من معالجة جذور الأزمة السودانية.
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث لم تعد خيارات السلام رهينة الداخل وحده، بل باتت مشروطة بتوازنات إقليمية ودولية معقّدة تتجاوز حدود الحرب ذاتها. وبينما تُطرح المبادرات تحت عناوين إنهاء النزاع واستعادة الاستقرار، يظل جوهر الأزمة مرتبطًا بسؤال من يملك القرار، ولأي مشروع سياسي تُصاغ التسويات المقبلة.. فإما أن تُفضي الضغوط الدولية إلى سلام عادل يفتح الطريق أمام تحول مدني ديمقراطي حقيقي، أو تتحول إلى تسوية شكلية تعيد إنتاج الأزمة في ثوب جديد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.