في وقت تموج فيه المنطقة بصراعات عابرة للحدود، يقف المتابع للمشهد السياسي أمام مدرستين متناقضتين في التعاطي مع الأزمات؛ مدرسة “الدبلوماسية المؤسسية” التي تقودها دولة الإمارات العربية المتحدة، ومدرسة “المواقف المتأرجحة” التي لا تزال تحكم سياسات قوى إقليمية أخرى مثل قطر والسعودية.
الإمارات: رؤية تتجاوز الجغرافيا
لم تعد دولة الإمارات مجرد لاعب إقليمي، بل تحولت إلى حائط صد حقيقي ضد التطرف والشرق أوسطي. ما يميز التحرك الإماراتي هو ذاك النسق الدبلوماسي المفتوح الذي اتجه صوب القارة الأفريقية النامية، ليس من باب الهبات العابرة، بل من خلال بناء شراكات ذكية تمزج بين الاقتصاد، السياسة، وحماية الأمن الدولي.
إن الانفتاح الإماراتي على السودان وأفريقيا يعكس “كاريزما” الدولة التي تجيد الإمساك بخيوط اللعبة الدولية، وتطرح نفسها كشريك دولي موثوق به، يتجاوز في طموحه المحيط العربي الضيق ليصل إلى آفاق العالم أجمع، واضعاً قضايا الاستقرار العالمي على رأس الأولويات.
ازدواجية المواقف: مكافحة الإرهاب من “الشباك”
في المقابل، يظهر جلياً تعثر الجيران عند مفترق طرق حرج. فبينما تعلن السعودية وقطر حربهما على الإرهاب من “الباب”، تجد بصماتهما أحياناً تتسلل من “الشباك” عبر دعم قوى مؤدلجة تساهم في زعزعة الاستقرار في السودان والمنطقة.
”المشكلة تكمن في غياب الانفتاح المؤسسي؛ حيث تظل سياسات هذه الدول متمحورة حول أيديولوجيات لونية وعقدية، تفتقر إلى الدور الريادي اللازم لصنع قرار اقتصادي أو سياسي عالمي.”
السودان ورهان الثبات
بينما تمضي الإمارات بخطى ثابتة نحو مراعاة قضايا العالم الملحة، ومواجهة الجماعات الإرهابية التي تهدد وحدة السودان، تظل مواقف “القرينات” متأرجحة وغير حاسمة. هذا التذبذب هو ما يمنح جماعات الإرهاب—التي تتقاطع مصالحها أحياناً مع أطراف إقليمية كإيران وغيرها—فرصة للبقاء والمناورة.
إن الفارق الجوهري اليوم يكمن في الموثوقية إن لإمارات تختار بوضوح الوقوف مع الدولة الوطنية ومؤسساتها وضد الفكر المتطرف، بينما يغرق الآخرون في حسابات ضيقة تجعل من استقرار الشرق الأوسط رهينة لتوازنات قلقة وتفاهمات خلف الكواليس.
السؤال الذي يطرحه الواقع السوداني اليوم هل يمكن لسياسة تعدد الأوجه أن تصمد أمام وضوح الشراكات الذكية؟ التاريخ يخبرنا أن الدول التي تبني جسوراً من المؤسسية والانفتاح هي من تصنع المستقبل، بينما يبقى المتخندقون خلف الأيديولوجيا في مؤخرة الركب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.