لم تعد حرب السودان مجرّد صراعٍ على السلطة أو تنازعٍ بين بنادق متقابلة، بل تحوّلت إلى مرآة قاسية تعكس أسوأ ما راكمته الدولة العميقة من تشوّهات، وفي القلب منها المشروع الإسلامي الذي لم يغادر المشهد، حتى وهو يتخفّى خلف الدخان والدمار. فكلما اتّسعت رقعة الخراب، بدا كأنّ هناك من يرى في احتراق البلاد فرصةً لا خسارة، وممراً إجبارياً للعودة إلى السلطة على أنقاض دولة منهكة.
منذ سقوط نظامهم، لم يتعامل الإسلاميون مع فكرة الدولة بوصفها عقداً اجتماعياً أو كياناً يجب إنقاذه، بل كغنيمةٍ مؤجّلة. وحين عجزوا عن استعادة الحكم عبر السياسة، بدا أن الحرب نفسها أصبحت أداتهم البديلة: تفكيك ما تبقّى من مؤسسات، إنهاك المجتمع، وتخريب أي إمكانية لقيام سلطة مدنية مستقرة. في هذا السياق، لا يظهر الدمار كأثر جانبي للحرب، بل كوسيلة محسوبة، تُدار ببرودٍ أيديولوجي يراهن على أن الخراب الشامل يخلق فراغاً لا يملؤه سوى أكثر التنظيمات صلابة وتنظيماً… وهم يعرفون أنفسهم جيداً.
تقوم خطة الإسلاميين – كما تتبدّى من سلوكهم وخطابهم – على ثلاث ركائز متداخلة:
أولها إطالة أمد الحرب، لأن السلام يعني المحاسبة وكشف الأدوار الخفية، بينما الفوضى تمنحهم مساحة الحركة والتمويه.
وثانيها إعادة إنتاج الذات كـ”حارس للنظام”، عبر تسويق خطاب الخوف: إمّا نحن أو الانهيار الكامل، وكأنهم لم يكونوا أحد مهندسي هذا الانهيار منذ عقود.
أما الركيزة الثالثة، فهي اختراق التحالفات العسكرية والاجتماعية، مستفيدين من الانقسامات، ومن ذاكرة قصيرة أنهكها الجوع والنزوح، ليقدّموا أنفسهم مجدداً كقوة منضبطة قادرة على فرض “الاستقرار”، ولو على جماجم المدن المحترقة.
في عمق هذه الحرب، يبدو السودان كجسدٍ مُنهك يُعاد تمزيقه باسم الإنقاذ، وكأنّ الإسلاميين لا يرون في الوطن سوى ساحة اختبارٍ أخير لعقيدتهم السياسية: إن لم يحكموا، فليحترق كل شيء. إنها عقلية “الأرض المحروقة” وقد لبست ثوب الدين، واستعارت لغة المظلومية، بينما تمارس أقسى أشكال الابتزاز الأخلاقي على شعبٍ يدفع ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
غير أنّ أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط ما يخطّط له الإسلاميون، بل قابلية الحرب لإعادة تدويرهم. فحين تُستنزف قوى المجتمع، وتنهار البدائل المدنية، يصبح الوحش القديم مألوفاً، وتبدو العودة إليه – في نظر بعض المنهكين – شراً أقل. هنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يتحوّل الخراب إلى حُجّة، وأن يُقدَّم الحريق بوصفه علاجاً.
حرب السودان، في جوهرها، ليست معركة عسكرية فحسب، بل صراع على معنى الدولة ومستقبلها. وإدراك نوايا الإسلاميين وخططهم للعودة إلى السلطة ليس ترفاً سياسياً، بل شرطٌ أساسي لكسر الحلقة الجهنمية التي تربط بين الاستبداد والحرب. فالسودان لن ينهض من الرماد إذا ظلّ الرماد نفسه هو الجسر الذي يعبرون عليه من جديد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.