تصريح رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك بشأن محاكمته غيابيًا لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع الذي تعيشه البلاد منذ اندلاع حرب أبريل 2023. فالمسألة، في تقديري، لا تتعلق بإجراءات قانونية بقدر ما تمثل محاولة مكشوفة للهروب من الاستحقاق الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم، وهو وقف الحرب والانخراط الجاد في مسار سياسي يضع حدًا للدمار الشامل.
إن الزج بحمدوك في محاكمة غيابية، في هذا التوقيت تحديدًا، يعكس رغبة واضحة في تصفية حسابات سياسية مع رموز المسار المدني، بدلًا من معالجة جذور الأزمة. وأعتقد أن هذا النهج لا يخدم العدالة ولا يقرّب البلاد من السلام، بل يضيف طبقة جديدة من الاستقطاب ويغذي مناخ الكراهية والانقسام.
الهجوم الشرس الذي تشنه جماعات محسوبة على الإخوان المسلمين ضد القوى المدنية يكشف، من وجهة نظري، عن حالة قلق عميقة داخل هذه التيارات من أي تسوية سياسية حقيقية. فالقوى المدنية، رغم ما تواجهه من تشويه واستهداف، ما زالت تمثل تهديدًا مباشرًا لمشاريع إعادة التمكين التي تسعى تلك الجماعات إلى تمريرها تحت غطاء الحرب وحالة الطوارئ.
أرى أن استخدام القضاء والإعلام كسلاح سياسي لإقصاء الخصوم لا يعدو كونه محاولة لإعادة إنتاج نفوذ قديم فقد شرعيته في الشارع. فبدلًا من توجيه الجهود نحو وقف نزيف الدم وحماية المدنيين، يتم استنزاف البلاد في معارك جانبية هدفها كسر أي صوت يدعو لمدنية الدولة وفصل المؤسسة العسكرية عن المشاريع الأيديولوجية.
في تقديري، فإن معركة السودان اليوم ليست معركة أشخاص، ولا صراع محاكم، بل صراع على طبيعة الدولة نفسها: هل تكون دولة مدنية تحكمها المؤسسات والقانون، أم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وإعادة تدوير السلطة بالقوة؟ وما لم يتم التعامل مع هذا السؤال بجدية، ستظل المحاكمات الغيابية والخطابات التحريضية مجرد أدوات لتأجيل السلام، لا تحقيقه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.