مواجهة إرهاب الإخوان المسلمين في السودان: نحو إجماع وطني حاسم

عروة الصادق

تصاعدت الضغوط الدولية على تنظيم الإخوان المسلمين، وتشهد الجماعة تصنيفًا متزايدًا كمنظمة إرهابية على المستوى الدولي؛ فقد أدرجت الولايات المتحدة مؤخرًا فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان على قائمة الإرهاب العالمي، عازيةً ذلك إلى تورطها في دعم أعمال عنف وإرهاب، بما في ذلك مساندة حركة حماس.. ويُعد هذا التصنيف خطوة تمهيدية لفرض عقوبات دولية تطال واحدة من أقدم الحركات الإسلامية وأكثرها نفوذًا. وقد رحّبت مصر بالقرار الأمريكي واعتبرته «خطوة فارقة تعكس خطورة هذه الجماعة وأيديولوجيتها المتطرفة، وما تمثله من تهديد مباشر للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي»، لكن المفارقة أنها تدعم نسخة السودان من الجماعة. ومع ذلك، فإن هذا الإجماع الدولي المتبلور ضد الإخوان يضع الفرع السوداني للتنظيم تحت المجهر، ويفرض تساؤلات حول ضرورة بلورة موقف جمعي سوداني مماثل تجاهه.

يمتلك التنظيم الإخواني في السودان- متمثلًا في الحركة الإسلامية السودانية وحزب المؤتمر الوطني «المنحل» – تاريخًا حافلًا بممارسة العنف والإرهاب ضد الشعب السوداني. فقد وصل الإسلاميون إلى السلطة عبر انقلاب عسكري دموي باطش مستبد أنهى النظام الديمقراطي في عام 1989م، ونكّل بالسودانيين، لتبدأ حقبة «نظام الإنقاذ» التي حكمت البلاد بقبضة حديدية حتى إسقاطها بثورة شعبية عام 2019م. وخلال تلك العقود، ارتكب النظام المدعوم من الإخوان جرائم جسيمة ترقى إلى مستوى الإرهاب؛ إذ اتُّهم بارتكاب إبادة جماعية وتطهير عرقي في إقليم دارفور غرب السودان وغيرها من المناطق. وشهدت التقارير المحلية والدولية أن الإسلاميين استخدموا كل صنوف الإرهاب لإخضاع خصومهم، من قصف القرى بالبراميل المتفجرة وحرقها بمن فيها، إلى تجويع المدنيين واغتصاب النساء كوسائل منهجية لبث الرعب، إضافة إلى تدريب وتفريخ وتنشئة الجماعات الخارجة عن القانون. ولم يسلم أي جزء من البلاد من بطشهم؛ فقد عانى الجنوبيون سابقًا من حملات جهادية شرسة خلال الحرب الأهلية، كما عانى الناشطون والمعارضون في كل السودان من التعذيب والسحل والاغتصاب والقمع على أيدي أجهزة الأمن الإسلاموية.

وعلاوة على ذلك، لم يقتصر إرهاب الإخوان في السودان على نطاقه المحلي، بل تجاوز الحدود ليورّط البلاد في شبكات الإرهاب العالمي. فقد استضاف نظام الخرطوم في تسعينيات القرن الماضي زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن لعدة سنوات، والذي لم يسلم بدوره من نهب أمواله وخيانته من أبناء التنظيم، ما جعل السودان ملاذًا للإرهابيين الدوليين، مثل كارلوس وغيره، إضافة إلى جماعات «بوكو حرام» التي استضافتها جامعة أفريقيا العالمية، وهي المجموعات التي قتلت السفير الأمريكي غرانفيلد. ونتيجة لتلك السياسات، تورطت أراضي السودان في عمليات إرهابية دامية استهدفت مصالح دولية، أبرزها تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998م، وتفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» عام 2000م. وقد دفعت البلاد ثمن ذلك لاحقًا، حيث قضت محاكم أمريكية بتحميل السودان تعويضات لضحايا تلك الهجمات الإرهابية. هذا السجل الأسود وضع السودان لعقود ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب عالميًا، وأدى إلى عزلة دولية وعقوبات أثرت بشدة على اقتصاد البلاد وسمعتها.

تُظهر الشواهد الراهنة أن ذراع الإخوان المسلمين في السودان- المتمثل فيما يُعرف بالحركة الإسلامية السودانية – لا يزال يشكّل عامل اضطراب وعنف يهدد الاستقرار.. فبعد سقوط نظام المخلوع البشير، أعاد قادة النظام البائد تنظيم صفوفهم تحت لافتة «الحركة الإسلامية» و«التيار الإسلامي العريض»، وعملوا على عرقلة المرحلة الانتقالية التي تلت الثورة. وقد حذرت قوى الحرية والتغيير وقتئذ، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، من أن الإسلاميين عمدوا بالفعل إلى «تقويض العملية الديمقراطية» والانقلاب على الفترة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021م، لأن قادة الإخوان استغلوا لاحقًا طموحات بعض قيادات الجيش لإشعال صراع دامٍ على السلطة انفجر في 15 أبريل 2023م. وهكذا أوفى الإسلاميون بتهديدهم القديم بإعادة الانقلاب كلما فقدوا السلطة، كما كان قد صرّح أحد قادتهم، علي عثمان محمد طه، صراحةً بأنهم سيعيدون سيناريو 1989م إذا خسروا حكمهم، بما أسماه «كتائب الظل»، مما أكد أنهم عدو شرس لأي تحول ديمقراطي مستقر.

في خضم الحرب الحالية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لعب الإسلاميون دورًا خطيرًا في تأجيج الصراع وإطالة أمده. وقد شهدت بأم عيني أن الجماعة دفعت بأنصارها إلى ميادين التدريب منذ ديسمبر 2022م، ولاحقًا إلى صفوف القتال ضمن ميليشيات وكتائب منظمة تقاتل إلى جانب الجيش الحكومي، مثل: «البراء بن مالك»، و«البنيان المرصوص»، و«البرق الخاطف»، وغيرها من التشكيلات الإسلاموية التي اشتهرت بشراستها، ووُصفت بأنها ميليشيات إسلامية متطرفة تعمل داخل صفوف الجيش. بل إن اعترافات صادرة من داخل الدوائر الإسلاموية ذاتها أقرت بأن نسبة كبيرة تصل إلى 75% من المقاتلين تحت إمرة الجيش هم من كوادر التيار الإسلامي المتشدد، في مؤشر واضح على مدى تغلغل الإخوان في بنية المؤسسة العسكرية السودانية. ورغم نفي بعض قيادات الجيش أي تحالف مع الإسلاميين، تؤكد الشواهد الميدانية أن العلاقة بين الإخوان والمؤسسة العسكرية هي علاقة شراكة في قرار الحرب واستمرارها. لقد انخرطت عناصر الإخوان في تخطيط العمليات العسكرية وتمويلها إعلاميًا ولوجستيًا، وروّجت لانتصارات زائفة لاستمرار المعارك، دون اكتراث بالتكلفة البشرية والمادية الكارثية على السودان وشعبه. ولم يكتف الإسلاميون بذلك، بل شنّوا حملة إعلامية منظمة عبر منصات التواصل لبث خطاب الكراهية والتطرف ورفض أي جهود للتهدئة، في وقت يواجه فيه السودانيون أسوأ كارثة إنسانية في تاريخهم الحديث من نزوح وجوع وانهيار للخدمات.

إن هذه الدلائل القاطعة على تورط الإخوان المسلمين في السودان بأعمال الإرهاب – تاريخيًا وحاضرًا، وسينتهجون ذلك مستقبلًا – تؤكد أن التنظيم لا يزال يرى العنف والفوضى وسيلته للبقاء. فقيادات الحركة الإسلاموية تعارض صراحةً أي حل سلمي أو تقاسم للسلطة، بل عرضت إيقاف الحرب فقط بشروط تعجيزية تتضمن خضوع الجميع لسطوتها في حكم البلاد. وهذا ما عبّر عنه الحادبون على مصلحة البلاد بقولهم إن الإسلاميين لا يرون نهاية للقتال إلا بـ«الاستسلام الكامل للشعب السوداني لنظامهم الإرهابي»، وهو نموذج حكم لم يجلب السلام أبدًا في الماضي، ولن يحققه في المستقبل.

في ضوء ما سبق، يصبح تكوين رأي عام سوداني موحّد ضد تنظيم الإخوان المسلمين أمرًا مصيريًا لضمان استقرار البلاد ومستقبلها. ويتطلب ذلك كشف الحقائق وتوعية الرأي العام عبر توثيق سجل الجرائم ونشر الوعي بحقيقة الممارسات التي حاولت الجماعة إخفاءها خلف شعارات زائفة، إلى جانب تعزيز الإجراءات القانونية والحسم الأمني لحظر التنظيم وتجفيف مصادر تمويله، وتكثيف وحدة الصف السوداني مدنيًا وعسكريًا في مواجهة التطرف، فضلًا عن التنسيق الإقليمي والدولي لعزل التنظيم وملاحقة داعميه.

إن اتخاذ موقف وطني ودولي حازم بتصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية في السودان سيكون له تأثيرات جوهرية وإيجابية على مستقبل الحكم واستقرار البلاد؛ إذ يحصّن عملية الانتقال السياسي، ويعزز الأمن والاستقرار الداخلي، ويقطع الطريق أمام عودة الدكتاتورية الدينية، ويفتح آفاق الدعم الدولي والإقليمي لحكومة سودانية مدنية تحارب الإرهاب وتلتزم بالحكم الرشيد.

وبطبيعة الحال، قد يسعى فلول الإخوان وسدنة الحزب المحلول، عند تضييق الخناق عليهم، إلى مناورة أخيرة عبر تأجيج مزيد من العنف أو تنفيذ هجمات إرهابية انتقامية، غير أن الإجماع المحلي والعالمي ضدهم سيجعلهم معزولين وضعفاء، وستواجه أي مغامرة يائسة منهم برد فعل ساحق من قِبل أجهزة الدولة السودانية والمجتمع الدولي على حد سواء. وقد أثبت التاريخ الحديث أن تنظيم الإخوان المسلمين وأشباهه يزدهرون فقط في البيئات المنقسمة والضعيفة؛ أما في ظل الوحدة الوطنية والصرامة القانونية، فسرعان ما ينحسر خطرهم وينكشف عجز مشروعهم.

ختامًا: إن تصنيف التنظيم الإخواني في السودان كجماعة إرهابية ليس مجرد إجراء رمزي، بل هو ضرورة أمنية وسياسية لحفظ مستقبل السودان. فالإرهاب الذي مارسه الإسلاميون لعقود- قتلًا وقمعًا وتمزيقًا لنسيج الوطن – آن له أن يُواجَه بإرادة جمعية لا لبس فيها. فلا سلام ولا استقرار في السودان إلا إذا تم «إضعاف وعزل ومعاقبة وحظر» الحركة الإسلاموية المتطرفة. وعليه، فإن بلورة رأي عام سوداني يُجمع على حقيقة هذا التنظيم ويسمّيه عدوًا للوطن هي الخطوة الأولى على طريق بناء دولة مدنية مستقرة.. اليوم، يكتب السودانيون فصلًا جديدًا من تاريخهم: فصلٌ تُغلق فيه أبواب الإرهاب الإخواني إلى غير رجعة، وتنطلق فيه طاقات أبناء السودان نحو إعادة الإعمار والتنمية في ظل حكم رشيد لا مكان فيه لمستغلي الدين والمتاجرين بالعنف، ويكون حسم المعركة الفكرية والسياسية ضد الإخوان إيذانًا بانبلاج فجر سودان جديد، سودان ينعم بالاستقرار والوحدة، ويقف شامخًا بين الأمم خاليًا من قيود التطرف والإرهاب.

المصادر:

رويترز- «أمريكا تدرج الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن على قائمة الإرهاب العالمي»

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) – «Sudan’s Democratic Alliance Blames Islamists for Civil War»

الخليج تايمز «Why Sudan’s war cannot end without confronting the Muslim Brotherhood»

الجزيرة نت- «إدارة ترامب تصنف فروع جماعة الإخوان المسلمين… إرهابية»

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.